السبت 09 ربيع الثاني / 07 ديسمبر 2019
04:54 م بتوقيت الدوحة

البحث عن المصالح!!

أسامة عجاج

الخميس، 19 نوفمبر 2015
البحث عن المصالح!!
البحث عن المصالح!!
للرئيس البرازيلي السابق دي سيلفا فضلان: الأول على بلاده، والثاني على تجمع الدول العربية مع دول أميركا الجنوبية.

في الأول استطاع أن يقدم للعالم تجربة إصلاح سياسي واقتصادي مذهلة، فقد نجح في زمن قياسي في إنقاذ بلاده من الديون، وأصبحت تمثل الاقتصاد التاسع في ترتيب مجموعة دول العشرين، وتسبق بريطانيا.

أما الفضل الثاني، فهو تبني فكرة إنشاء التجمع العربي مع دول أميركا الجنوبية، وكان ذلك في عام 2003، واستمر يعمل في دأب حتى نجح في عقد القمة الأولى بعدها بعامين، واستضافتها بلاده، وها هي العاصمة السعودية الرياض احتضنت في الأسبوع الماضي، فعاليات القمة الرابعة، التي تم التوافق على عقدها كل ثلاث سنوات، بالتناوب بين المجموعتين، فالقمة الثانية استضافتها العاصمة القطرية الدوحة في عام 2009، والثالثة في عاصمة بيرو ليما، ولعل مرور عشر سنوات وما تحقق فيها على أكثر من صعيد يؤكد نجاح الفكرة، ويعزز فرص إيجاد شراكة استراتيجية بين المجموعتين العربية وأميركا الجنوبية.

ولعل الملاحظة الجديرة بالاهتمام، أنه على الرغم من الحوارات الاستراتيجية والتعاون بين الدول العربية ومثيلتها من المجموعات الجهوية، مثل تلك التي تتم على مستوى الاتحاد الأوروبي، أو مع دول محورية مثل الحوار العربي الصيني، والعربي الروسي، ومؤخراً العربي الهندي، الذي تستضيف العاصمة المنامة أعماله الشهر المقبل، إلا أن الإرادة السياسية توافقت على أن يكون الحوار على مستوى القمة، بين مجموعتين هما القارة الإفريقية، وبدأ مبكرا منذ العام 1975 في أعقاب الموقف الإفريقي الداعم للعرب بعد حرب أكتوبر في العام 1973، وقطع العلاقات بينها وبين إسرائيل، واستضافت القاهرة أول قمة، ولكن التعاون بين الجانبين ظل «محلك سر»، وفي أضيق الحدود، وفترت الفكرة أصلا بعد أن وقعت مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل، وظل الحال على ما هو عليه، وتم استئناف أعمال القمة في عام 2010 في مدينة سرت الليبية، أما القمة الثالثة فقد استضافتها الكويت في العام الماضي.

وقد يكون هناك العديد من المؤشرات، على أن التجربة الثانية للعمل المؤسسي، على مستوى القمة العربية مع أميركا الجنوبية، تسير في الاتجاه الصحيح، ويعود ذلك إلى التشابه الكبير في الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين المجموعتين، والشعور بنفس التحديات والتهديدات التي تواجه دول المجموعتين، 22 دولة عربية و12 دولة في أميركا الجنوبية، كما أن هناك عاملا آخر وهو أن ما بين 10 إلى 15 بالمئة من سكان أميركا الجنوبية، جاليات عربية متميزة، بل تتحدث بعض التقارير عن وجود ملايين من البرازيليين من أصول عربية، ومن مظاهر ذلك النجاح، انتظام عقد القمة كل ثلاث سنوات، بعد الاتفاق حول آليات العمل المؤسسي سواء على مستوى القمة أو الوزاري وكبار المسؤولين، وأيضاً تلك الطفرة المهمة التي تحققت في زمن قياسي، على صعيد معدلات التبادل التجاري بين المجموعتين، الذي ارتفع منذ البداية من الرقم ستة مليارات دولار حتى أصبح 35 مليارا، أي بزيادة أقل من ستة أضعاف خلال عشر سنوات فقط، مرورا بـ21 مليارا عام 2009، وتستحوذ البرازيل على ثلثي هذا الرقم، وحتى إذا كان الميزان التجاري يميل بشدة لصالح أميركا الجنوبية، فالأمر يتعلق بخلل في المنظومة العربية، التي لم تحسم أمورها، في فك الارتباط مع دول كبرى لا تفيد ترهن اقتصادياتها بالتعامل معها كأولوية، كما أن معظم واردات المجموعة العربية من المجموعة الأميركية الجنوبية، تتمثل في الغذاء والثروة الحيوانية، وتشير التقارير إلى أن السعودية والإمارات، هما في مقدمة الدول العربية من حيث الاستثمار والتجارة مع دول المجموعة، في مقابل البرازيل بالنسبة لأميركا الجنوبية.

ومصر هي الدولة العربية الوحيدة، الموقعة على اتفاقية التجارة الحرة مع مجموعة الأميروسور، الذي يضم أهم خمس دول في أميركا الجنوبية، ومن المهم هنا إعلاء لغة المصالح والمنافع المشتركة، خاصة وأن متوسط النمو السنوي، في الصادرات العربية لدول أميركا الجنوبية، حوالي 17 بالمئة خلال الأعوام الأخيرة، كما كشف عن ذلك إبراهيم العساف وزير المالية السعودي، في افتتاح المنتدى الاقتصادي الذي أقيم على هامش قمة الرياض، بحضور أعداد معتبرة من رجال العمال من الجانبين، كما يمكن تعزيز التعاون والاستفادة المتبادلة بين مجموعة الدول في أميركا الجنوبية، التي تشهد تجارب تنموية ناجحة، لم تعد تقتصر على البرازيل، بل امتدت لتشمل عددا مهما من دول المجموعة، مثل الأرجنتين وبوليفيا وفنزويلا والإكوادور، كما أنها بعد سنوات ستصبح واحدة من أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم.

والأمر هنا لا يقتصر على المصالح الاقتصادية رغم أهميتها، ولكنه يمتد إلى التنسيق السياسي بين المجموعتين، على الصعيد الدولي في الأمم المتحدة، وغيرها من التجمعات الدولية، فدول أميركا الجنوبية تمثل دعما إضافيا للعديد من القضايا، التي تمثل أهمية خاصة واستثنائية، وتحتل المرتبة الأولى في الاهتمامات العربية، ونحن في ذلك أمام حالتين: موقف متقدم حتى عن بعض الدول العربية تجاه القضية الفلسطينية، وآخر على العكس، فيما يخص الأزمة السورية والتدخل الإيراني في الشأن الداخلي للعالم العربي، الوقائع تؤكد أن دول أميركا الجنوبية، هي من أوائل المجموعات التي اعترفت بالدولة الفلسطينية، ودعمت انضمامها إلى اليونسكو، وحصولها على صفة عضوية مراقب في الأمم المتحدة عام 2013، الاستثناء الوحيد هو كولومبيا، لطبيعة علاقاتها مع واشنطن، والتزامها بالمواقف الأميركية، كما نددت دول أميركا الجنوبية بالاحتلال الإسرائيلي والعدوان المتكرر على قطاع غزة، ووصل الأمر إلى تجميد العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وإغلاق سفاراتها في تل أبيب، وهو الموقف الذي لم تتخذه دول عربية لها علاقات مع تل أبيب، وهناك تعويل كبير على مساندة من دول أميركا الجنوبية، تجاه المطالب التي يتم بلورتها، بفرض حماية دولية للفلسطينيين، وهي القضية التي ناقشها وزراء الخارجية العرب في دورة طارئة، عُقدت قبل القمة بيوم واحد.

والأمر مختلف بشكل جذري في موقف دول أميركا الجنوبية من الأزمة السورية، وقد ظل البند الخاص بها في إعلان الرياض معلقاً دون اتفاق، حتى تم حسمه في اجتماعات القادة، خاصة وأن هناك خلافا عربيا عربيا تجاه الأزمة السورية، انعكس على المواقف السابقة والحالية لمجموعة أميركا الجنوبية، فقد هاجمت رئيسة البرازيل بشدة التدخلات الدولية في سوريا، تحت مظلة التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، وهو نفس الموقف الذي تتخذه الأرجنتين، بل إن دولة فنزويلا، تقدم دعما ماليا ونفطيا للنظام السوري، والأمر يعود في جزء منه إلى غياب رؤية عربية موحدة، أو توصيف حقيقة ما يجري هناك، كما أن العالم العربي لم يقم بواجبه تجاه تقديم شرح واضح لحقيقة ما يجري في سوريا، وأنه صراع بين تطلعات شعبية في الحرية والعدالة الاجتماعية، وبين نظام مستبد، واجه تلك التطلعات باستخدام القوة العسكرية، والبطش الأمني، ولا علاقة للأمر باستهداف خارجي للنظام وفي ظل الرغبة في الخروج بإعلان الرياض وقرارات القمة بدون أي تحفظ، فقد تم صياغة البند الخاص بسوريا بحيث يتناسب مع المواقف المتناقضة من القضية، ومن ذلك الالتزام بسيادة واستقلال سوريا، والتوصل إلى حل سلمي للأزمة، ورفض أعمال العنف من كل الأطراف، والتأكيد على رفض التدخل الخارجي، واعتبار أن الحوار الوطني والمصالحة، هما مفاتيح الحل في سوريا.

والأمر نفسه يتعلق بالموقف من إيران، فالعرب يتحملون جزءا كبيرا من الأزمة، فنحن أمام مخطط إيراني للنفاذ إلى أميركا الجنوبية، من خلال تنسيق المواقف في منظمة أوبك، حول أسعار البترول، واللعب على وتر مواجهة واشنطن، وهو أمر قد يجد صدى في بعض الدوائر السياسية في دول أميركا الجنوبية، مما صعب من مهمة العرب، في إقناع الجانب الآخر، في الخروج بإدانة للتدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية.

usama.agag@yahoo.com •

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.