الأحد 20 صفر / 20 أكتوبر 2019
05:29 م بتوقيت الدوحة

خطاب الأمير يرسم ملامحنا

الأستاذ عبدالله بن حمد العذبة رئيس التحرير
الأستاذ عبدالله بن حمد العذبة رئيس التحرير
دائماً ما يأتي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد –حفظه الله- في موعده المحدد، ليواصل رسم ملامح المواطن والوطن بشكل أوضح..

باستمرار يكون عند سموه الجديد، وهو يخاطب الداخل والخارج، عن سياسة دولة قطر على مختلف الأصعدة.

إن خطاب سمو الأمير، الذي ألقاه أمس في افتتاح دور الانعقاد الـ44 لمجلس الشورى، يغلب عليه الطابع المحلي، وإن لم يغب عنه الشأن العربي والإسلامي والدولي، وخطابات سمو الأمير دوماً صريحة لمواطنيه، وعندما تكون هناك بعض المحاذير أو بعض التقلبات في الوضع الاقتصادي، فهو دائماً يصارحهم، ولا يعمد إلى تجميل الصورة، أو يدع المواطنين منهمكين في أمورهم الحياتية، وهذا ما عرفناه عن سموه دائماً.

إن العنوان الكبير للخطاب الشامل، هو المضي قدماً في تحويل قطر إلى «الدولة النموذج» في المنطقة.. دولة عدالة يعرف فيها الجميع ما له من حقوق وما عليه من واجبات.. دولة نزاهة وشفافية تواجه الفساد بقوة القانون، وترفض استغلال المناصب.. دولة تجتذب الاستثمارات بعيداً عن البيروقراطية والتعقيدات الروتينية.. دولة تجدد نفسها دون أن تفقد أصالتها، وتبني نهضتها بشبابها باعتبارهم قوامها وروحها ومصدر قوتها.. دولة تقدر كل من يساهم في تقدمها من جاليات الدول العربية الشقيقة والصديقة.. دولة تسخّر مكانتها الإقليمية والدولية وإمكاناتها الاقتصادية لخدمة قضايا أمتها.. دولة تعمل لصالح الحق والعدل للشعوب أياً كانت، ووفق معايير الشرعية الدولية.. وفي المجمل هي «دولة مبادئ ثابتة لا تتغير».

كعهدنا به، تحدث سمو الأمير إلى الشعب بكل «صراحة وموضوعية»، عن الظروف التي مرت بها قطر خلال الآونة الأخيرة، وتطلعه إلى السير قدماً، و»المضي في إقامة دولة القانون والمؤسسات وتطويرها، وتنظيم سلطات الدولة الثلاث، والحفاظ على المقومات الأساسية للأسرة والمجتمع وتعزيزها، والموازنة الخلاقة بين احترام حقوق المواطن والصالح العام للمجتمع والوطن، وتوفير أسباب الحياة الكريمة للمواطن القطري في حاضره ومستقبله».

وكان سموه واضحاً وهو يدعو إلى «الحيطة والحذر» بعد الانخفاض الكبير والمستمر في أسعار الطاقة، وفي هذا الصدد وجه الأمير المفدى رسالة بالغة الأهمية إلى القطريين، وهو يشير إلى الظواهر السلبية التي رافقت ارتفاع أسعار النفط، و»منها النزوع إلى الهدر في الصرف، وبعض الترهل الوظيفي في المؤسسات، وعدم المحاسبة على الأخطاء في حالات كثيرة»، مشدداً سموه على أن «توفر المال قد يستخدم للتغطية على الفشل في بعض المؤسسات، كما قد يؤدي إلى الاتكالية على الدولة في كل شيء، ويقلل من دوافع الفرد للتطور والمبادرة».

لقد استخدم سمو الأمير المفدى تعبيرات بالغة الدلالة، وهو يصارح الشعب بقوله: «يجب أن يدفعنا الحذر إلى مصارحة بعضنا، وإلى التكاتف في مواجهة التحديات، وإلى اليقظة ورفض المسلكيْن المتطرفين: الفزع غير المبرَّر من جهة، وخداع الذات الذي يتمثل في تجميل الواقع لإرضاء النفوس، من جهة أخرى».

نحن إذن إزاء خطاب صريح بخصوص أن هناك تقلبات في أسعار النفط والغاز، فقطر تأثرت بالفعل، لكنها بنت رصيداً ممتازاً في السابق، واستفاد المواطنون القطريون من الطفرة التي تم تحقيقها في الماضي، وحان الوقت الآن لنتذكر المبدأ الدستوري بأن «المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات».

وهذه الحقوق والواجبات يجب أن يترجمها المواطنون والمسؤولون إلى أفعال لبناء قطر، خاصة أن معدل التضخم في قطر منخفض جداً ونسبته %2، وتمت معالجة الكثير من القضايا المتعلقة بالتخزين والأراضي اللوجستية، وهذا ما أكده سمو الأمير في خطاب سابق له أمام مجلس الشورى بأن «قطر تعاني من مشكلة تضخم عقاري، لكن الآن يتم ضبطه».

وعلى الرغم من انخفاض الأسعار في سوق الطاقة، فقد طمأن سمو الأمير أبناء شعبه، بالاستمرار في تنفيذ مشاريع تطوير البنى التحتية والتنمية البشرية، بما يؤكد أن القيادة الواعية وهي تصارح شعبها بالحقائق التي تدعو لـ»الحذر»، فإنها لا تنسى أبداً مسؤولياتها تجاه المواطن وتطوره، بالعمل الدؤوب على تحقيق كل سبل التقدم والنهضة للدولة، وفق رؤية قطر الوطنية «2030، التي تهدف إلى «تحويل قطر إلى دولة متقدمة، قادرة على تحقيق التنمية المستدامة، وعلى تأمين استمرار العيش الكريم لشعبها جيلاً بعد جيل، بالسعي إلى تطوير اقتصاد متنوع، يتناقص اعتماده على الهيدروكربون، ويتجه الاستثمار فيه نحو الاقتصاد المعرفي، وتتزايد فيه أهمية القطاع الخاص» بحسب تعبير سموه.

ومما لا شك فيه أن أمير البلاد رسم للشعب الصورة واضحة تماماً، وقدم الوسيلة الفعالة للحماية مستقبلاً من الآثار السلبية لتقلبات أسعار النفط والغاز، والتي تتمثل في «التنمية الصحيحة».

وفي هذا الصدد يتطلع القطريون إلى أن يكون القطاع الخاص عند مستوى التحدي والدور المأمول منه، بأن يستلهم فكر سمو الأمير، وأن يبادر بالإسهام في بناء المنظومة التعليمية والصحية، باعتبارهما قواماً رئيسياً للتنمية الصحيحة، من خلال تأسيس جامعات خاصة معترف بها وليس استيرادها، فضلاً عن إنشاء مستشفيات خاصة تسهم في علاج الخلل بهذا القطاع المهم جداً.

المطلوب الآن من الحكومة، أن تنفذ بدقة توجيهات الأمير المفدى، وألا تتوانى عن تشجيع المنافسة، ومراقبة الأسعار في الوقت ذاته، لتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي، فضلاً عن دعم مجال الأعمال بواسطة تجهيز الظروف للاستثمار، وإزالة الاختناقات البيروقراطية، وإعداد البنية التحتية الحاضنة للمشاريع، وهذا ما يجب أن تستمر وزارة الاقتصاد والتجارة تحديداً في عمله.

على الحكومة أن تترجم ما جاء في الخطاب «إلى خطة عمل واقعية»، خاصة أن خطاب الأمير واقعي، ويمكن تنفيذه، وتحويله إلى واقع وحقيقة يلمسها المواطن القطري، وكل من يقيم على أرض قطر من العرب وغيرهم.

ويبقى تشديد سمو الأمير بعدم التسامح مع الفساد المالي والإداري، أو استغلال المنصب العام لأغراض خاصة، أو التخلي عن المعايير المهنية، لمصلحة شخصية، بمثابة رسالة بالغة الوضوح بأن «قطر دولة القانون والمؤسسات» والتي تخطو الشوط تلو الآخر في بناء نهضتها، تعرف أن الفساد هو الذي ينخر في أساس أي إنجاز حتى يُسقطه ويُسقط معه كل أسس العدالة، ولذلك فإنها لن تسمح به، وستضرب بقوة القانون على يد كل من تسوّل له نفسه أن يشوّه مسيرة بدأت ولن تنتهي سوى بتحول قطر إلى دولة متقدمة، وبقعة ضوء مشعة في محيطها لصالح أمتها.

إن ما ذكره سمو الأمير لم يكن شعارات ترفع، وإنما هو ترجمة واقعية لرؤيته بشأن مواجهة هذه الآفة، وهذا ينسجم مع ما أعلنه مؤخراً سعادة النائب العام الدكتور علي بن فطيس المري، في افتتاح اجتماع الجمعية العمومية للرابطة الدولية لهيئات مكافحة الفساد الذي عقد في مدينة سان بطرسبورغ الروسية، برئاسة دولة قطر، عن جائزة دولية تحمل اسم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد –حفظه الله-، لمحاربة الفساد. وهذه الجائزة ستكون سنوية، وتأتي تقديراً من حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى لما يقوم به أشخاص رائعون من جهود مهمة في مجال محاربة الفساد على المستوى الدولي.

إن قطر وهي وتسير نحو تحقيق حلمها هذا، وضعت لنفسها مبادئ لا تتغير بدعم الشعوب المستضعفة، ومساندة أسس الحق والعدل. قد تراجع الدولة -كما قال سمو الأمير في خطابه الشامل- نفسها، وتقيم أفعالها لكي تصحح أخطاء إذا وقعت «فجلَّ من لا يخطئ»، ولكنها بالتأكيد لا تغير مبادئها.

إن مواقف الدوحة ثابتة دائماً، وهذا يعيدنا إلى خطاب سموه يوم توليه الحكم، قال فيه: «نحن قوم نلتزم بمبادئنا وقيمنا، لا نعيش على هامش الحياة ولا نمضي تائهين بلا وجهة، ولا تابعين لأحد ننتظر منه توجيهاً.. لقد أصبح نمط السلوك المستقل هذا من المسلمات في قطر وعند من يتعامل معنا.. نحن أصحاب رؤية».

وما ذكره الأمير في خطابه الأخير يأتي امتداداً لمواقف قطر الثابتة، ولكن هناك بعض الدول تعاني من تقلبات في مواقفها، وتعتقد واهمة أن تقلبها هذا نوع من «الذكاء»، والواقع أن هذا يعكس عدم ثباتهم، وبالتالي لا يمكن للآخرين أن يثقوا بهم.

وبالنسبة لدعم قضايا الأشقاء، فإن كل متابع لخطابات حضرة صاحب السمو، يلحظ أن فلسطين هي القضية المركزية، ولم تغب عن خطاب من خطاباته، بما في ذلك الخطاب الأخير بالأمم المتحدة، وهذا ترجمة لسياسة قطر الراسخة تجاه القضية الفلسطينية بصفتها قضية محورية، وإن كان هناك وجود للقضية السورية أيضاً، ولكنَّ هناك ثباتاً دائماً للقضايا المركزية التي تمس العرب، ودور قطر العروبي الذي ينبع من انتمائها الإسلامي الذي لم يتغير ولن يتغير بإذن الله.

إن سمو الأمير قدم الجديد في رسمه ملامح «الدولة النموذج» التي نحلم بها، والتي ينبغي أن يتكاتف الجميع لتحقيقها مع قيادتنا الرشيدة ممثلة في أميرنا المفدى، والذي نقدم لسموه كل الشكر على دعمه للإعلام الحر المساند للشعوب والقضايا العربية والإسلامية، وعلى رأسه شبكة الجزيرة، حيث حرص الأمير على دعم العاملين بها معنوياً من خلال تشريفه حفلها الأخير بمناسبة مرور 19 عاماً على تأسيسها، وتبادل سموه الأحاديث الودية مع الحضور بروح طيبة تنم عن إيمانه العميق بالإعلام.

إن أفضل ختام في هذا الاستعراض لخطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، هو قول سموه: «ليست المواطنة مجموعة من الامتيازات، بل هي أولاً وقبل كل شيء انتماء للوطن. ويترتب على هذا الانتماء منظومة من الحقوق والواجبات تجاه المجتمع والدولة. المواطنة مسؤولية أيضاً. من حق المواطن أن يستفيد من ثروة بلاده. ولكن يفترض أن يسأل المواطن نفسه من حين لآخر، ماذا أعطيت أنا لبلدي ولمجتمعي؟».

من الآن فصاعداً فلنسأل أنفسنا جميعاً «أهل قطر»: ماذا أعطينا لبلدنا ومجتمعنا.. وما الذي سنقدمه لوطننا قطر؟.

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.