الأربعاء 18 محرم / 18 سبتمبر 2019
02:24 م بتوقيت الدوحة

رسائل غزّة والغزّيين من عمق الأنفاق

رسائل غزّة والغزّيين من عمق الأنفاق
رسائل غزّة والغزّيين من عمق الأنفاق
كشفت حــرب غـــزة، بشهدائها الأبــــرار، بأطفالها ونسائها وشيوخها المستشهدين، بجرحاها ومصابيها الآلاف، بمستشفياتها ومدارسها ومساجدها وبيوتها المدمّرة، أن ثمة حقيقة واحدة كانت هناك على أرض فلسطين ولا تــزال.. إنها إرادة شعب يرفض أن يخضع لمشيئة العدو المحتل.

بين تجربة الضفة الغربية التي استنفدت الرهان على ســراب «الحل السلمي»، وتجربة قطاع غزة الذي قدّم ولا يزال يقدّم تضحيات من دماء أبنائه ومعاناتهم وتشرّد الكثيرين منهم، سقطت الأوهــام والأكاذيب، ووقف ما يسمّى «المجتمع الدولي» مفضوحاً، فإما أن يعترف بالعجز -أي بالواقع- أو يتحرّك لمعالجة هذه الحال المَرَضية والجنونية التي باتت تشكّلها حكومة إسرائيل.

لم يعد مقبولاً فلسطينينا، ولا عربيا ولا إنسانيا، أن يُترَك مجنون المنطقة الإسرائيلي جالساً فوق ترسانة نارية ونووية، منفلتاً على هذا النحو، ومجرّدا من أي قيم وأخلاق إلى هذا الحد، يرسل دباباته وطائراته وصواريخه كلما أصابته نوبة اختلال، ويحلم بإبادة شعب أثبت أنه منغرس في أرضه إلى أعمق ما يتخيله عدوّه، وأكثر مما اعتقده الحليف الأمريكي لهذا العدو.

ما الذي جال في خاطر أولئك الموتورين في حكومة العدو، وهم يسمعون صــفــارات الإنـــذار في القدس المحتلة أو في تل أبيب والــلــدّ وحيفا، هل فكّروا أن أياماً كهذه ولّت «إلى الأبــد»، وأنهم قــادرون على الصعود أعلى وأعلى بمستوى النار، وأن لديهم من الحصانة الأميركية ما يمكّنهم من ارتكاب أعتى الجرائم للخلاص من الخطر، وأن آخر ما يهمهم لحظة تهجر الطائرات العالمية مطاراتهم وسياحتهم هو أن يصونوا سمعتهم وصورتهم في الــخــارج؟ لقد زرعــوا لتوّهم آلافــاً مضاعفة من المخاطر الجديدة، ورغم كل الذي بذلوه من قتل وتدمير فإنهم لم يخنقوا إرادة الفلسطينيين.

باتت صواريخ غزّة تعبيراً عن هذه الإرادة. باتت الأنفاق مقبرة لغطرسة عدو مبهور بفائض قوة لديه ولم يعد يفيده شيئاً. غزّة أرض منبسطة لا تضاريس فيها، لــذا صنعت لنفسها تضاريس تحت الأرض، وهي وحدها تدري بشعابها، وسيتوهّم العدو أنه أغلقها أو دمّرها أو ردمها، لكنه يفاجأ بصواريخ تعود فتنطلق من مناطق سبق أن أنجز أو اعتقد أنه أنجز «تمشيطها» و «تأمينها». 

عجب الذين بحثوا عن هدنة مما سمعوه. القتيل/ الشهيد، والموجوع المنكوب، هو الذي يرفض، لأنه لا يريد أن يَرحم فيَذّلَ، فهنناك القوي الذي توافقت دول الغرب على جعله الأكثر تفوّقاً نارياً في المنطقة، ولكن ليس هناك أقوى من المستهين بالموت. مرّت نساء على الشاشات، مرّ أطفال وشيوخ، ليقولوا إنهم فقدوا أحباؤهم وخسروا بيوتّا ومزارع ورود وأرزاقًا، "لكن المهم" أن نخترق هذا السجن، ونخرج من الحصار، أن نتمكن من العيش كآدميين، وأن نرغم العدو وكل من يقف وراء العدو على الاعتراف بحقنا في الحرية والتحرر.

ذهل الباحثون عن هدنة من هول هذا الحدث الذي يشرّحونه تحليلاً: هذه الحرب تختلف عن غيرها، هذه الحرب كسرت القوالب التي صنعوها لحبس فلسطين فيها، هـذه الحرب قلبت مفاهيم القتال والهزيمة والانتصار، لا علاقة لها بالإرهاب ولا بهلوسات «داعش»، بل بشعب وجد نفسه في مواجهة واحــد من أقــوى الجيوش، أفــراد وعـائـلات من أبنائه انحفرت أسماؤهم في ذاكرة الإنسانية: أبو جامع والكيلاني وبطش وصيام وعلوان وأبو سنينة وأبو مسلم وآخــرون وآخــرون، وأمكنة صارت أيقونات عالمية: الشجاعية وحي الزيتون وحي الشيخ رضوان وبيت لاهيا وخزاعة وعبسان وغيرها وغيرها من مستشفيات ومــدارس ومساجد.. كم بدت مخزية وحقيرة تلك الكلمات التي تفوّه بها الرئيس الأميركي أو ناطقوه حينما قالوا إنهم يدعمون «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وقد عنوا عملياً أنهم لا يعترفون لشعب فلسطين بهذا الحق، ولا يؤيدونه أن يدافع عن نفسه.

ما الذي يميّز جيش الاحتلال الإسرائيلي إذ يحبس شعباً ويفرض عليه حصاراً ويغتال قياداته ويذهب إلــى مقاتلته بين الحين والآخـــر، عن أولئك الطغاة، العرب وغير العرب، الممقوتين المحتَقرين، الذين صنعوا سجوناً وكدّسوا فيها الأبرياء وتفننوا في تعذيبهم وأفلتوا كلابهم لتنهش أجسادهم، وأرسلوا ويرسلون أعوانهم القتلة ليتدرّبوا على الرماية بحملات قتل جماعي وإعدامات ميدانية؟ لا فرق بين هؤلاء المجرمين سوى في أمر واحد على الأقل، هو أن بعضاً منهم أكثر حظوةً داخل مافيات الكونجرس الأميركي من بعضٍ آخر. ولذا فإن المجرم الإسرائيلي يتمتع بترخيص للعربدة، أما الآخرون فيدانون وينبذون وتُفرض عليهم عقوبات، لكن قد يُعاد تأهيلهم أحيانًا بالنظر إلى تاريخ خدماتهم ضد شعوبهم.

ارفعوا الحصار، افتحوا المعابر، افتحوا البحر، أطلقوا الأسرى، أقلعوا عن الغارات والاغتيالات.. أو فابقوا وتُواجَهون، واقتلوا وتُقتَلون. هذه كانت رسالة غزّة إلى اباحثين عن هدنة. فإذا لم يكن ما بعد الحرب مختلفًا عما قبلها فهذه طعنة للإنسانية جمعاء. ليس للأطراف الخارجية أن تشتري غضب غزّة بشيء من المسكّنات لتخفيف آلامها، فهي لا ترضى بأقل من أن تبقى بعزّتها وعنفوانها. وليس للوحش الأهوج ما يكسبه هنا أكثر من برهان إضافي عن وحشيته وبربريته، أما الشعب الصامد البطل فلا أحد يستطيع أن يمنعه من نيل حريته مهما كان الثمن. 

يَوُمَل بأن تخالف هذه الحرب قواعد اللعبة الجهنمية التي فُرضت على الشعب الفلسطيني، فتصقل الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتبث معنىً في شرايين المصالحة، وتدفع بالنقاش المتجدّد لإعـادة الـروح إلى مشروع وطني فلسطيني كان يربط بين الجميع وصار في الأعوام الأخيرة نسياً منسياً. 
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.