السبت 21 محرم / 21 سبتمبر 2019
02:05 م بتوقيت الدوحة

عندما يصبح الإنسان رقماً!

عندما يصبح الإنسان رقماً!
عندما يصبح الإنسان رقماً!
تعودت أن أتصل به كلما احتجت لحجز تذكرة سفر، كان يبذل أقصى جهده من أجل الحصول على أفضل العروض بأقل الأسعار، وانقطع التواصل معه بعد دخول التكنولوجيا في حجز التذاكر، بل في كل إجراءات السفر، كان طيب المعشر حسن المعاملة، ترك موطنه في باكستان وهاجر إلى كندا، لكنه عاد إلى المنطقة ليعمل في إحدى وكالات السفر وليكون قريبا من جذوره في موطنه الأصلي، أحببت أن ألقي عليه التحية في إحدى المناسبات، قلبت صفحات الهاتف حتى وقعت عيني على رقمه، اتصلت به لكن الخط كان مقطوعا فاتصلت بهاتفه المباشر في المكتب فرد علي زميله، فطلبت منه أن يوصلني بالسيد «متين»، ساد صمت لفترة قصيرة ثم جاءني الرد: «متين» مات منذ الصيف الماضي!! فسألته: كيف حدث هذا؟ قال: كان من المقرر أن يقضي إجازته مع عائلته في كندا لكنهم فضلوا المجيء إلى دبي رغم حرارة الجو، ويوم وصولهم أصيب بنوبة قلبية توفي بعدها، أقفلت الهاتف وأنا أنظر إلى الرقم، ماذا أفعل به؟ هل أمسحه أم أبقيه؟ يتكرر المشهد مع صديق آخر كان أول من أقابله عندما تطأ قدمي البحرين لحضور اجتماعات مجلس أمناء جامعة الخليج العربي، كانت «الحمد لله على السلامة» مرفقة بالابتسامة هي أول ما أسماعه بعد نزولي من الطائرة، اتصلت به لأخبره بموعد وصولي، ردت علي زوجته، وبعد أن سلمت عليها سألتها: أين إبراهيم؟ كان الرد بكاءً صامتا، لم تستطع السيدة أن تخفيه، قلت لها: «خير.. إبراهيم فيه شي» وبصوت متقطع جاءني الرد: إبراهيم.. يعطيك عمره، توفي منذ شهرين!! عتبت عليها وعلى الزملاء في الجامعة لتقصيرهم في إبلاغي حتى أقوم بواجب العزاء نحو صديق عزيز، نظرت مرة أخرى إلى الرقم وأنا في حيرة من أمري، هل أبقيه أم أمسحه من ذاكرة الهاتف، موقفان يتكرران لكثير منا عندما نفقد فيه عزيز، أو يرحل عنا صديق، فهل هذا ما يبقى من الإنسان بعد رحيله، مجرد رقم يسجل على ورقة تسمى شهادة الوفاة! يأتي أحدنا إلى الدنيا وهو لا يحمل شيئا ليأخذ من الطبيب رقما يحمله إلى أن يعطيه والداه اسما يتحول هو الآخر رقما في شهادة الميلاد، وكأنه لا يكفيه أن يحمل اسما، وتبقى الأرقام تلاحقه في حياته عندما يدخل المدرسة أو الجامعة وعندما يتخرج منها، وعندما يسعى في الحياة، وكأن الإنسان لا قيمة له إلا بالأرقام، على الرغم مما يبذله في حياته وما يقدمه من عمل صالحا كان أم طالحا، لقد تحولنا إلى أرقام، مجرد أرقام في كشوف عدة، كشف السكان وكشف الراتب وكشف الإعانة الحكومية وكشف الفواتير، لقد تحول الإنسان إلى آله تحظى بالعناية والاهتمام ما دامت تدور وتنتج، وتتم صيانتها إذا كانت قابلة للصيانة، فإذا ما تعطلت وأصبحت غير صالحة للإنتاج تم إحالتها إلى النسيان، تشغلنا حركة الحياة في يومها وشهرها وسنتها حتى أصبح بعضنا لا يفرق بين يوم وآخر مر عليه قبل سنوات، فهو يدور في دوامة الحياة كالعجلة التي لا تتوقف، يتشاءم بعضنا ويتفاءل آخرون، لكن الحياة هي الحياة بتشاؤمها وتفاؤلها، بفرحها وترحها، بخيرها وشرها ويبقى الإنسان هو الإنسان، بمشاعره وأحاسيسه، هل رأيتم حزنا تطور أو تخلف؟ وهل رأيتم فرحا تبدل طعمه في النفوس، كل شيء تغير في حياة الإنسان ومن حوله، لكنه بقي كما هو في مكنونه النفسي وأحاسيسه ومشاعره، ربما ازداد علما أو معرفة بالحياة والكون، وربما استطاع أن يطور الآلة لكنه لم يستطع أن يطور مشاعره، فالحب ما زال هو الحب، ومثل ذلك الكره، لم يتخل الإنسان عن تلك الصفات رغم امتلاكه قوة المعرفة وقوة السلاح، فالقتل الذي كان بالرمح والسكين بقي هو القتل ولو كان بالمدفع والصاروخ، يبني الإنسان الحضارة والمدنية وينشئ المباني والقصور والمصانع والمدارس، ويقضي سنوات طوال في البناء والتعلية، ثم يهدم ذلك في لحظات معدودة، يكفي أن يرسل عليها صاروخا أو قذيفة مدفعية أو قنبلة نووية، يتقدم الإنسان في حياته بتقدم العلم فيزداد ترفا ومالا ويسخر العلم والتكنولوجيا في تطوير جميع الوسائل حوله بدأ من الهواتف وانتهاء بالأجهزة الطبية، لكنه لا ينفك ابتعادا عن ذاته، يشتكي من القلق والإضراب، والخوف من لا شيء، لا يعلم لم هو قلق أو من أي شيء خائف أو ما هو المجهول الذي ينتظره، تختلف أعراق الناس وأديانهم ولغاتهم وعاداتهم، لكنهم يتفقون على أنهم بشر، تجتمع فيهم ذات المشاعر والرغبات والأحاسيس، فلا يوجد كره شرقي أو حب غربي، ولا يوجد كذب صيني وكذب إفريقي، ومع كل هذا ما زال الإنسان يجهل ذاته فكلما ازداد الإنسان علما بالحياة ازداد جهلا بنفسه، نأتي إلى الدنيا ونحن لا نملك شيئا ونرحل عنها ونحن لا نملك شيئا، وبين «الشيئين» نملك أشياء كثيرة لا نحس بها إلا بعد أن نفقدها، نملك الحياة والإيمان والحب، نملك الأهل والمال والأصدقاء، نملك الأمل والفرح والمستقبل.. نملك كل ذلك.. ولا نشعر به إلا إذا أردناه أو فقدناه، وصدق الله العظيم القائل «يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا