الإثنين 10 صفر / 28 سبتمبر 2020
06:55 م بتوقيت الدوحة

المرفأ الفاعل المجهول والأثر المعلوم ...

المرفأ الفاعل المجهول والأثر المعلوم ...
المرفأ الفاعل المجهول والأثر المعلوم ...
لا شك أن العالم العربي والإسلامي يعيش حالة انكسار شامل (فطلائع الانحطاط ظهرت في المشرق العربي والإسلامي منذ القرن السادس للهجرة (الثاني عشر للميلاد) في حين لم تظهر في المغرب والأندلس، إلا في القرن السابع للهجرة (الثالث عشر للميلاد).
وتبقى قصة هذا الانهيار، في حقيقتها، هي حكاية تمزّقنا، ومنازعاتنا، وفشلنا في حفظ حضارتنا «كما يحفظها الرجال..»، هي قصة اغتيال العقل والحرية في تاريخنا، أمة وأفراداً.).  
تتعدد صور الانكسار العام (التجويع والتركيع والتطويع) في العالم العربي والإسلامي وتتفق خلاصتها على: 
• إمكانية استنبات الأزمات السياسية بوجهيها القومي والطائفي.
• تلك الجغرافية ممنوعة من التقدم التقني والاستقلال الاقتصادي والقرار السياسي السيادي المستقل.
 إن ذلك التخلف العام له عوامل داخلية لا يمكن إنكارها لكن ديمومة ذلك التغافل والتجهيل المبرمج إنما يتم برعاية إرادات خارجية حيث يتم ضبط حدود المعرفة ونهب الثروات وكذلك اتباع سياسة التفجير المؤجل لتلك المجتمعات من خلال:
• حفر خنادق تكوينية تكفيرية متوجسة من بعضها.
• دعم الأقليات السياسية القومية والطائفية والعلمانية العسكرية.
• زرع تنظيمات متطرفة دينياً وقومياً وعلمانياً بحيث لا يستقيم النسيج الاجتماعي بهذه الدول .
• تكوين بيادق مأمورة وبنادق مأجورة لتفتيت تلك المجتمعات التي هي أقرب إلى الخنادق القابلة للاشتعال بأي لحظة ...

جذر المشكلة: 

لابد أن نعترف أن من قصور الداخل تسلل العدو الخارجي لقد اعتاد عقلنا على التفسير التآمري والتملص من المسؤولية فذواتنا كما يقول د. خالص جلبي (فوق الخطأ ودون النقد ولا تقترب منها يد التشريح وأدوات السبر والتمحيص، واستمرار الخطأ يقود الى مزيد من الخطأ، بتعطل آلية تصحيح الخطأ وعندما يكون المتسبب عن الخطأ خارج ذاتنا يتولد عنه تلقائياً أمران:
1. الراحة النفسية بالعثور على سبب وهمي.
2. وإيقاف كل آلية يمكن أن تتدخل في مسار الأحداث لإصلاحها.).
لكن هل هذا يقدم دواء أو دليلاً للخروج من النفق المظلم مواجهة كل أزمة تاريخية، أو الوقوع في كارثة قومية، يطيب لنا توجيه أصبع الاتهام الى العدو الخارجي، ولكن هل هذا مخرج للمصيبة أو حل للمشكلة؟ ! 
(إن هذا الضرب من التفكير لايقود الى حل المشكلة والخروج من الورطة بسلام، بل يقود الى نوع من المرض النفسي الخطير، فطالما كانت ذواتنا خارج حقل المشكلة، بقي الحل في الظلام بعيداً عن متناول اليد، وبقيت بالتالي ذواتنا مبرأة عن أي خطأ، والمساهمة في أي خلل، 
إن فلسفة القرآن تؤسس لفكرة لم يعتاد عليها الناس وهي (ظلم النفس) فالناس اعتادوا ومستعدون ان يلوموا كل أحد واتجاه وقوة موهومة الا أنفسهم، والقرآن يمشي بشكل مخالف 180 درجة تماماً؛ فهو يدربنا على أن نلوم أنفسنا فقط (وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).
إن كثيراً من شرائح المفكرين والسياسيين عندهم الاستعداد للوم كل القوى، كسبب لعجزنا من الصهيونية والماسونية والاستعمار والصليبية والشيطان، بل وحتى إحالتها في النهاية الى مصدر يخرس كل متحدث عندما تنسب فضائحنا اليومية الى إرادة الله، ولكن ليس عندهم استعداد ولو لوضع (احتمال) أن نفوسهم شاركت في توليد الهزيمة، وتراكم العجز، واتساع الخرق! وإذا كان ظلم الانسان لنفسه هو الظلم الأعظم، فهو يؤسس بدوره لفهم جذور المشكلة الإنسانية، وفهم الظلم الاجتماعي عندما يتحول المجتمع من مجتمع أفقي الى مجتمع طبقي، تتمزق فيه وتتصدع الشرائح الاجتماعية إلى (مستكبرين) و (مستضعفين) كما تحدث القرآن عن طبيعة المجتمع الفرعوني، ومصدر هذا الخلل هو خلاف ما يتصور الناس من طبقة المستضعفين، أكثر من طبقة الجبارين المتكبرين .
إن الظاهرة المزدوجة، أو علاقات القطبين المشؤومين ( الاستضعاف ـ الاستكبار ) ذات مصدر موحد ، كما في أي فيلم ، فالصورة الملونة تعتمد الأساس الأسود بعد التحميض ، وكذلك علاقات القوة في المجتمع هي من خلل هذه الرافعة بين بني البشر ، فالمستكبر هو مستضعف في أعماقه لاعتماده آلية القوة والقهر ، والمستضعف مستعد بالقوة للتحول الى مستكبر يتلمظ لامتلاك القوة . ودعوة الأنبياء جاءت لإنتاج نسخة بشرية جديدة بالتخلي عن علاقات القوة ، وبالتالي كسر رافعة ( الاستضعاف ـ الاستكبار ) . 
الضعفاء هم الذين يخلقون الأقوياء. والمستضعفون هم الذين يوجدون المستكبرين. والأمم الهزيلة هي التي تنبت الطواغيت. والمستنقع هو الذي يولد البعوض . والغربان تحط على البقرة الميتة . والنمل يتجمع على جثث الصراصير . والقابلية للاستعمار هي التي تقول للاستعمار أنا هنا تعال فاركب على رقبتي . والدول تنهزم بتفككها الداخلي . وانهيار الحضارات يتم بعلة الانتحار الداخلي أكثر من قصور طاقة التكنولوجيا أو اكتساح خارجي . والاتحاد السوفيتي سقط مع امتلاكه أسلحة تدمير الكون مرات ؛ بفعل مرض داخلي أكثر من هجوم خارجي عاتي ؛ فلم يهاجم هذه المرة من الجيوش النازية أو مدفعية نابليون ، بل كان سقوطه داخلياً صرفاً . 
هذا القانون يمسك بإحكام جنبات الوجود، بوتيرة مكررة ، بدءاً من الذرة الى المجرة ، مروراً بعالم النفس ، ومحيط المجتمع ، وإطار الدول ، وحزام الحضارات ، ومن أبسط الأفكار الى أعظم الامبراطوريات تنشغل النخب عامة بحديث كيدي نكدي لا يقدم حلاً، وإنما يعمق الصدام الداخلي، فلا اتفاق على قضية كبرى واحدة!!! وهناك ردة فكرية على الذات فنحن ننكر كل هوية وكل رابط مجتمعي.
وتثار الصراعات والبطولات الخلبية بين علمانيين وإسلاميين وبدل أن يصحو الجميع ويعرفوا أن الخلاف لا ينبغي أن يكون حول التوجه والمبنى بل حول الغاية والمعنى أي القيم بمعنى لا يهم أن تكون دينياً أو علمانياً أو قومياً أو حتى بلا دين لكن على الكل أن يؤمنوا بالسلم الأهلي وبحرمانية المساس بالآمنين وحق الاختلاف والتزام القانون وسيادة العدل والحريات وتغليب صوت الشعب والاحتكام إلى صناديق الاقتراع بدل استصدار الأحكام المختزلة الاصطفافية الصفرية وحروب الديكة لمجرد انتماء سياسي أو قومي أو ديني!!!
  ويختزل السلطان معنى العلمانية بتحويلها إلى عصى للسلطة وبمصادرة الدين وتأميمه وتحويله إلى ملاك من أملاك الدولة وتفتيت معنى الدولة من مؤسسات إلى أجهزة تدار وفق خطة استحمارية لم يسلم منها العلماني ولا الاقتصادي ولا الأكاديمي ولا القومي ولا الفني ولا حتى الديني حيث ترعى السلطات تجديد الخطاب الديني بنكش التراث وجلد البخاري ومسلم وتحويل الدين إلى فم يقبل يد السلطات وفي جانب آخر يتم تفعيل الخطاب الديني الذي يعشق الأضرحة التراثية على الطريقة السلفية أو الصوفية في تلك الأجواء غير الطبيعية الكل تحت السيطرة ويجتمع المتناقضون في التوجهات على دعم الإله السياسي أنا ربكم الأعلى (قالها الطاغية مخدوعا بغفلة جماهيره، وإذعانها وانقيادها.
 فما يخدع الطغاة شيء ما تخدعهم غفلة الجماهير وذلتها وطاعتها وانقيادها ...!
 وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سلطاناً، إنما هي الجماهير الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب! وتمد له أعناقها فيجر! وتحني له رؤوسها فيستعلي! وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى!
والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة وخائفة من جهة أخرى، وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم، فالطاغية - وهو فرد - لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين، لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها.
كل فرد من الجماهير هو كفء للطاغية من ناحية القوة ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها أنه يملك لها شيئا! و ما يمكن أن يطغى فرد في أمة كريمة أبداً .و ما يمكن أن يطغى فرد في أمة رشيدة أبداً . وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها و تؤمن به و تأبى أن تتعبد لواحد من خلقه لا يملك لها ضراً ولا رشداً فأما فرعون فوجد في قومه من الغفلة ومن الذلة و من خواء القلب من الإيمان، ما جرؤ به على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة: (أنا ربكم الأعلى).. وما كان ليقولها أبداً لو وجد أمة واعية كريمة مؤمنة، تعرف أنه عبد ضعيف لا يقدر على شيء. وإن يسلبه الذباب شيئاً لا يستنقذ من الذباب شيئاً.
هذا الواقع الأليم في أوجز صوره يشرح لنا ما سبب القابلية للاستعمار وأنها موجودة في بنية الشعوب حيث تحدثت وسائل الإعلام عن رغبة الآلاف من اللبنانيين وضع لبنان تحت الانتداب الفرنسي لمدة عشر أعوام بسبب انتشار الفساد. فقد ترافقت زيارة الرئيس الفرنسي وتزامنت مع توقيع أكثر من 50 ألف لبناني على عريضة تطالب بعودة الاحتلال الفرنسي إلى لبنان، ووضعها تحت الانتداب الفرنسي لمدة عشر أعوام كاملة، من أجل محاربة الفساد المنتشر في لبنان.فما سبب ذلك هذا ما سنناقشه في المقال القادم 
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.