الثلاثاء 21 ذو الحجة / 11 أغسطس 2020
02:00 ص بتوقيت الدوحة

عدسة أبي العتاهية

عدسة أبي العتاهية
عدسة أبي العتاهية
تناولت عدسة أبي العتاهية الدنيا بشظف لا بشغف، وبإدبار لا بإقبال، وأفرطت في تصوير صفرة حصادها، ولم تأتِ على خضرة ربيعها، ولا نضرة ريعانها، تقاربها، ولا تطابقها في ذلك عدسة لبيد بن ربيعة العامري؛ الشاعر المخضرم المعتق بالجاهلية المعطر بروح الإسلام. لقد عاش لبيد طورين بروحين لا تجتمعان، وكان الفارق الكبير بينهما وعلامة التحول العظيمة؛ إدراكه الإسلام الذي أضفى على شعره حُلّة الحكمة، وخلع عليه بردة الزهد؛ حيث لا مكان للطيش تحت قيود عمره التسعيني، وتحت حُلّة الإسلام القشيبة التي تسربلها. وهنا نأتي على طريقته في تصوير الأعمار، وأمانة الأرواح، وتعاقب الأجيال، ودفع الله الناس بعضهم ببعض، فيقول:
وَإِنّا وَإِخوانًا لَنا قَد تَتابَعوالَكَالمُغتَدي وَالرائِحِ المُتَهَجِّرِ
هَلِ النَفسُ إِلّا مُتعَةٌ مُستَعارَةٌتُعارُ فَتَأتي رَبَّها فَرطَ أَشهُرِ
مثل ما سبقه من إخوان ومثله كمن أصبح حلّاً في مكان ثم أمسى مرتحلاً عنه، وقد ربط الشاعر حركة التعاقب هذه بالعشيّ والإبكار وتعاقب الليل والنهار، وجعل دورتها تدور سريعاً ودولتها لا تدول طويلاً. ثم جعل من النفس سلعة عارية مآلها إلى ردّ ومعاد، وهي في ذمة صاحبها عدة شهور أو عدد سنين. وفي موضع آخر له من الحكمة، يصوّر الإنسان الخائف المترقب، المهدور دمه، الفارّ بروحه، الناجي بجلده، بصورة تظهر فيها ملامح النابغة، ومخايل شتاته، وفراره من النعمان، فيقول:
كأَنَّ بِلادَ اللهِ وَهيَ عَريضةٌعلى الخائفِ المذعورِ كفَّةُ حابلِ
يُؤدَّى إِلَيْهِ أَنَّ كُلَّ ثَنِيَّةٍتَيَمَّمَها تَرْمِي إِلَيْهِ بِقَاتِلِ
هذا هو الفرار من قدر الله إلى قدر الله، حين يفرّ امرؤ من موتور يلاحقه وذي ثأر يريد دمه، يشعر أن الأرض بما رحبت حبالة صيد وهو واقع في شركها، آيل إلى قبضة ناصبها، وأن حتفه كامن له في كل عقدة من هذه الحبال، فحيثما اختلج فأجله مُطبِق عليه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ليالي النابغة

28 يونيو 2020

جنّة أبي تمّام

21 يونيو 2020

أبو أُذينة اللخميّ

14 يونيو 2020

عدسةُ ابن خفاجة

07 يونيو 2020

المنيّة

31 مايو 2020

الشاعر الرحّالة

24 مايو 2020