السبت 20 ذو القعدة / 11 يوليو 2020
01:32 ص بتوقيت الدوحة

«ضمّ الأراضي» كجريمة يقاومها العالم بالكلام

«ضمّ الأراضي» كجريمة يقاومها العالم بالكلام
«ضمّ الأراضي» كجريمة يقاومها العالم بالكلام
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو تلجأ إليه الدول ليبتّ في خلافاتٍ بينها، فإن الكلام الكثير كان لتغطية حقيقة أن مجلس الأمن ليس قادراً على أي فعل حيال واقعة ما يُسمّى «ضمّ أراضٍ»، وهو في الواقع وبالمعنى الجنائي «سرقة أراضٍ»، وهو «استيلاء على أرض الغير بالقوة»، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة الذي يستهلّ مصطلحه بـ «لا يجوز». قيل للجهة الشاكية، المجموعة العربية، إن الخطوة الإسرائيلية تنتهك القانون الدولي، لكن مجلس الأمن المفترض أنه يحرس ذلك القانون لا يستطيع منعها، وكل قرار يحاول إصداره، حتى لو نال الغالبية، سيكون معطّلاً سلفاً بالفيتو الأميركي.
لا جديد في أن النظام الدولي مغلق ومعطّل، هذا ما اختبره الشعب الفلسطيني طوال عقود، وتبعته شعوب أخرى عربية وغير عربية، يتساوى في ذلك أن يكون هناك نوع من التهدئة والتهادن بين الدول الكبرى، أو وضع صراعي انقسامي حاد، كما هو اليوم. تكثر الدعوات إلى «إصلاح» هذا النظام أو حتى إلى «نظام جديد»، لكن من سيُصلح؟ ومَن سيصنع الجديد طالما أن الولايات المتحدة تتحكّم بالنظام المالي والاقتصادات والسياسات؟ فحين تكون لها الغلبة لا تصنع سلاماً تستطيعه، وحين لا تكون لها الغلبة تخرّب أي سلام يستطيعه سواها. الأمر يشبه إلى حدٍّ كبير دعوة أي ديكتاتور مزمن إلى قيادة إصلاحات في بلاده، مع إبلاغه أن أي إصلاح «حقيقي» كفيل بإطاحته.
الواقع الدولي تجاوز بتدهوره كل احتمال لـ «إصلاح النظام»، وأصبحت عمليات الضمّ والاستيلاء والسطو هي السائدة. وإذا كان لا أمل يرتجى من أميركا، فإن التدقيق في ممارسات الدول الأخرى، خصوصاً روسيا والصين، يجرّد دعواتها الإصلاحية من أية مصداقية، وينطبق ذلك على «الدول العظمى الإقليمية» كما باتت تصنّف.
خذوا حال العالم العربي كنموذج لتظهير الحقائق، فهو يتعرّض لكل أنواع التهميش والاستضعاف والإذلال من قوى دولية وإقليمية، وأصبح مُزَعزعاً استقرارياً واستراتيجياً، وإلا لكانت إدارة دونالد ترمب وإسرائيل حسبتا له حساباً قبل أن تتفقا على تصفية القضية الفلسطينية، لكن ما أخذتاه في الاعتبار أنه مستعدّ لمساومات وأضعف من أن يعترض على سياساتهما أو يعطّل أيّاً من جرائمهما. لم يكترث الثنائي ترمب - نتنياهو بمدى «قانونية» «صفقة القرن»، بل بإمكانات التطبيق والجوانب الأمنية، وردّ العسكر الإسرائيليون بأن الخطط جاهزة لـ «خنق الفلسطينيين»، ولا يتوقّعون أي تدخّل أو إزعاج عربيين.
استغرق الأمر اثنتين وسبعين عاماً لنسف المبادئ والمفاهيم والقوانين نهائياً بالنسبة إلى شعب فلسطين وقضيته، وأصبح خياره الآن بين «دولة واحدة» ترفضها إسرائيل ولا تريد إعطاء الفلسطيني مواطنتها، وبين دعوة إسرائيل إلى تحمّل مسؤوليتها كـ «دولة احتلال»، لكنها لم تعترف سابقاً، لا بعد 1948 ولا بعد 1967، بأية معاهدة دولية تضبط سلوكها كسلطة احتلال. وإذ يتخذ العرب من انشغالاتهم الداخلية وإرباكاتهم الإقليمية الحالية مبرّراً للاستهانة بما تشهده «قضيتهم»، التي لم تعد «مركزية»، أو وسيلة لحماية مصالحهم، فإنهم في الوقت نفسه معرّضون لخسارة تلك المصالح، ولن يضمنوا أن ضياع «قضيتهم» لن يرتد عليهم، ذاك أن صمتهم إزاء الاستيلاء على الأراضي سيكون مساهمة منهم في «شرعنته» وإتاحته لأي طرف.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.