الخميس 06 صفر / 24 سبتمبر 2020
11:26 م بتوقيت الدوحة

التعصّب السياسي آفة الفترة الانتقالية

التعصّب السياسي آفة الفترة الانتقالية
التعصّب السياسي آفة الفترة الانتقالية
يكاد التعصّب يرتبط بالرياضيين؛ حيث يعجب الناس كيف يرتبط فرد أو جماعة بفريق لكرة القدم، فيرسمون شعاره ويتغنّون باسمه، ولو تراجع مستواه وتوالت هزائمه. ومن عجائب التعصّب أن المحبّين يظلّون على الإعجاب والولاء ذاتيهما، ولو تبادل الفريقان المتنافسان كل لاعبيهم خلال فترة تسجيلات اللاعبين؛ فإذا انتقل كل لاعبي الهلال إلى المريخ وانتقل كل لاعبي المريخ إلى الهلال، يظل الهلالي محتفظاً بعشقه الأبدي لـ «الموج الأزرق»، ويحتفظ المريخي بعشقه الأبدي لـ «الأحمر الوهّاج» ويتغزّل بلاعبي المريخ الجدد الذين كانوا بالأمس موضع سخريته عندما كانوا مسجّلين في كشف خصمه، والعكس صحيح، ويصل التعصّب درجة الخطر عندما يكون سبباً في العنف بين أنصار الفريقين الغاضبين.. هذا هو حال التعصّب بين الرياضيين، لكن حصر التعصّب في الرياضيين غير صحيح وظالم؛ فالتعصّب قد يكون قبلياً ومهنياً وجهوياً، ويتعدّد. ويهمّنا في هذا المقال التعصّب السياسي، فنشير إلى أثره السالب على الفترة الانتقالية في السودان حتى حال دون تحقيق أهدافها.
لقد جاهرت بعض القوى السياسية عقب انتصار الثورة برفضها إشراك العسكريين في السلطة الانتقالية، رغم دورهم في ترجيح كفّة الثورة، ولم يعترف هؤلاء للعسكريين بدور حاسم، وأنكروا على الجيش أي دور غير حراسة الحدود. ثم تمكّنت الأطراف المختلفة من التوصّل إلى صيغة توافقية تم بموجبها تشكيل سلطة انتقالية يشارك فيها عسكريون ومدنيون؛ حيث ترأس قائد الجيش المجلس السيادي الذي ضمّ 5 عسكريين، وسيطر المدنيون على الجهاز التنفيذي. ورغم هذه التسوية التي توحي بتجاوز حالة الجذب السابقة للاتفاق، احتفظت بعض القوى السياسية بموقفها الرافض للعسكريين، فأعملت وسائط الإعلام الموالية لها في التشكيك في كفاءة العسكريين، بل والتشكيك في ولائهم للثورة، متهمة إياهم بالانتماء إلى النظام السابق، وأن ضغط الثوار قد اضطرهم للانحياز للثورة. يصحب هذه الحملة المشكّكة في العسكريين حملات تُقدّم الوزراء المدنيين -وبالأخص اليساريين منهم- في صورة العباقرة، وتقيم حائط صدّ ضد أي انتقاد لأدائهم، ولو كان النقد موضوعياً تسنده الحجج والبراهين؛ فاكتملت بذلك أركان التعصب السياسي، ورُفعت شعارات تناسب الحالة الجديدة، مثل قولهم إن وزير الصحة خط أحمر، وهو شعار يجسّد التعصّب، فلا يقبل أنصار الفريق المدني أي انتقاد لوزير الصحة ولو مات المئات بسبب الإدارة السيئة للوزير لملف جائحة «كورونا»، ولو تعدّدت خلافاته مع فريقه المساعد.
وهكذا احتمى الوزراء المدنيون وراء جدار التعصب؛ فلم يجد وزير الزراعة قدراً يسيراً مما يجده العسكريون من هجوم، رغم تقصير وزارته في الإعداد للموسم الزراعي الأخير ومتابعته. ونجا وزير الري رغم تعرّض محصول القمح للعطش، ويطمئن وزير التجارة رغم فشل خططه في توفير الضروريات وضبط الأسعار.. وهكذا الحال في وزارات أخرى؛ لكن قوى اليسار قد نجحت في وضع خطة التعصّب الأعمى. فبدا فريق المدنيين عبقرياً ، بينما بدا فريق العسكريين هزيلاً رغم اجتهاده؛ ذلك لأنه افتقد الفريق الإعلامي المتمرّس في العمل الإعلامي والتعبوي. فالمجموعة الداعمة لفريق العسكريين تقليدية سلبية تجهل فنون الدعم والتشجيع، فتقبل نحو استاد السياسة بلا تنظيم وبلا إعداد، وفي أوقات متباعدة، فيبدو (أنصار) الفريق العسكري بلا أثر رغم كثرة عددهم. ويقبل (مشجعو) الفريق المدني في توقيت واحد وبأزياء متجانسة وقد ألّفوا الأناشيد ولحّنوا الأهازيج، يعلو صوتهم بقوة، يبثّون الحماس في فريقهم، فيحرز الهدف تلو الهدف، ومشجّعو الفريق الآخر في سبات بليد يشكون من تغوّل اليسار وسيطرته.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.