الجمعة 07 صفر / 25 سبتمبر 2020
12:12 ص بتوقيت الدوحة

مراجعات منتظرة من الإسلاميين في السودان

مراجعات منتظرة من الإسلاميين في السودان
مراجعات منتظرة من الإسلاميين في السودان
صاحبت تجربة الإسلاميين في السودان أخطاء كثيرة، بعضها طبيعي مثل أخطاء حتمية تصحب أي تجربة عند التطبيق، وبعضها أخطاء قد تنحدر إلى درك الخطايا مثل الفساد الذي ضرب مؤسسات كثيرة، وهي أخطاء أقرّ ببعضها أركان النظام قبل سقوطه، وشرع نظام الإنقاذ في اعتقال بعض منسوبيه بعد أن بلغ الفساد درجة لا يمكن مداراتها، وكان رأس النظام قبل ذلك يطالب المواطنين بتقديم أدلة تثبت الفساد، رغم أنه مطّلع من موقعه على كل الملفات والأسرار.
لا نقف بالطبع عند الأخطاء العادية، أما الفساد فكان نتيجة حتمية للتعتيم الذي تتصف به في الغالب الأعم الأنظمة الشمولية، حيث تنعدم الشفافية وتصعب المراقبة والمحاسبة، وقد يتصف بعض قادة الأنظمة الشمولية بنزاهة شخصية تقلل احتمالات الفساد، لكن لا ينجو الشعب من قرين الشمولية الآخر، أي الاستبداد، فتنال الأجهزة القمعية من الشعب الحر، حيث يرسل صاحب كل صوت معارض إلى سجن طويل، وقد يموت بعضهم بالتعذيب، وباستعراض تجربة الإنقاذ، يُلاحظ بلا شك ارتباط النظام بالفساد والاستبداد، فقد أهدرت أموال طائلة بالنهب المباشر أو بفساد القوانين أو بالإهمال، وقضى معارضون سنوات طويلة في سجون النظام المستبد، وقتل بعضهم في المعتقلات.
سقطت «الإنقاذ» ولم يملك أي مراقب موضوعي أن يدفع عن النظام تهمتي الفساد والاستبداد، ودعا بعض مؤيدي النظام لمراجعة التجربة، واتفق الجميع على أن علاج المذمتين -أي الفساد والاستبداد- يكون بإخضاع أي نظام بما فيه الإسلامي للشفافية، واتفق الإسلاميون المقرّون بأخطاء التجربة أن التنظيم الإسلامي يفترض أن يكون الأكثر حرصاً على الرقابة والمراجعة والمحاسبة، بدلاً عن أن يمنح نفسه حصانة تحميه من الرقابة والمحاسبة، وأن الرهان على تقوى عضوية التنظيم لم يكن ضمانة كافية تحمي النظام من تسلل آفة الفساد.
الملاحظة الأخيرة تقودنا لمناقشة جانب مهم يهمله الإسلاميون الداعون لمراجعة تجارب الإسلاميين، هي طبيعة التنظيم الإسلامي، لقد ظل الالتزام بالواجبات الدينية والابتعاد عن الكبائر شروطاً لا يجوز التنازل عنها في اكتساب عضوية التنظيم، فلم يكتسب صفة الجماهيرية، ثم تنازل آباء التنظيم عن الشروط الصارمة بعض الشيء، فاكتسبوا عضوية إضافية لم يكن رواد التنظيم يدفعون بها لمواقع قيادية، ولا حتى لمرتبة القيادات الوسيطة. لكن تجربة الإنقاذ أكدت أن بعض «الصوّامين القوّامين» قد ولغوا في الفساد، وهو ما عفّ عنه آخرون لم يُعرفوا بأداء الصلوات في ميقاتها ولا بصيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، وهو ما أكد بالدليل القاطع عدم جدوى تقييم عضو التنظيم بأداء قليل من الالتزامات الدينية، وأن التقييم النهائي عملية تتضافر فيها عوامل كثيرة.
هذه الملاحظة المهمة يفترض أن تفتح التنظيم أكثر، بشروط أقرب للشروط القليلة في صدر الإسلام، حين كان الإيمان بوحدانية الله ونبوة سيدنا محمد عليه السلام كافياً للانتماء للدين العظيم، وقد كان هذا الشرط حينها بالغ الصعوبة، لما يتبعه من اضطهاد وتعذيب يصيب المؤمن، ثم أصبح في زماننا شرطاً سهلاً، بدون أن تقلل هذه السهولة من عظمة ما ناله المتأخرون من نعمة، نؤكد عظمتها بأنها درجة تمناها النبي عليه السلام لعمه أبي طالب، لكن المغالين، خاصة من الإسلاميين، يمتنعون عن «منح» هذه الصفة لجمهور المسلمين العريض، فيحرمون تنظيمهم من عضوية كبيرة ممكنة، هذه وصاية يمتد ضررها من أصحابها، لتشمل التنظيم الإسلامي، حين يتطوع بحرمان نفسه من قاعدة جماهيرية عريضة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.