الثلاثاء 11 صفر / 29 سبتمبر 2020
01:05 ص بتوقيت الدوحة

هل هي محاولة لدمج العدالة الانتقالية في العدالة العقابية؟

هل هي محاولة لدمج العدالة الانتقالية في العدالة العقابية؟
هل هي محاولة لدمج العدالة الانتقالية في العدالة العقابية؟
لم يعُد الحديث عن تسليم السودانيين المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وانتهاكات لقانون الحرب لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي مسألة أكاديمية، فقد تحولت القضية بين ليلة وضحاها إلى حقيقة واقعة على الأرض، بعد أن أعلنت المحكمة أن المتهم علي محمد علي «الشهير باسم كوشيب»، قد سلّم نفسه لسلطاتها في جمهورية إفريقيا الوسطى، ليمثل أمامها ويواجه اثنين وعشرين تهمة تحت قانون الجرائم ضد الإنسانية وتشمل: «القتل - النقل القسري - الاغتصاب - الاضطهاد - التعذيب - الحرمان من الحرية - ارتكاب أفعال لا إنسانية»، كما يواجه ثمانية وعشرين تهمة تتعلق بجرائم حرب وهي تشمل أيضاً «القتل وشنّ هجمات على المدنيين والنهب وتدمير الممتلكات».
وقال بيان رسمي صادر عن المحكمة، إن الرجل سلّم نفسه طواعية لسلطات المحكمة في جمهورية إفريقيا الوسطى، تنفيذاً لأمر القبض الصادر من المحكمة الدولية ضده منذ السابع والعشرين من أبريل عام 2007، وقد ظل منذ ذلك التاريخ يعيش في السودان، ويتنقل بحرية داخل وخارج السودان، بعد أن كررت حكومة السودان مراراً أنها لا تعترف بسلطة للمحكمة على السودان القطر ذي السيادة الذي لم يوقّع ويصادق على ميثاق روما، وبالتالي لا تعترف بأية ولاية لتلك المحكمة عليه، ولا على المواطنين السودانيين، رغم أن إحالة هذه القضية للمحكمة صدرت عن مجلس الأمن وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يعطي مجلس الأمن هذا الحق المنصوص عليه أيضاً في ميثاق روما، وستصدر المحكمة في لاهاي أمراً بمثول المتهم أمامها عما قريب، وهذا التطور في القضية سيفتح باب النقاش من جديد حول قضية تسليم رئيس الجمهورية السابق المتهم في البلاغ نفسه واثنين من وزرائه السابقين «عبدالرحيم محمد حسين وأحمد هارون» لسلطات المحكمة، وهي قضية حظيت بتصريحات متضاربة من جهات حكومية صدرت بعد سقوط النظام البائد، وأشارت بعض التصريحات إلى احتمال تسليمهم، كما صحبها إعلان رسمي بأن مجلس الوزراء وافق على مثول الرئيس السابق أمام المحكمة، دون أن يشرح كيف يكون ذلك المثول، وتحت أي شروط، ومع تكهنات بأن ثمة محاولات للوصول إلى تفاهم مع المحكمة على إحالة القضية إلى «محكمة هجين»، بالاتفاق مع الاتحاد الإفريقي أو وفق ترتيبات خاصة، هذا وقد كان المجلس العسكري السابق قد أعلن أنه لن يسلم أحداً، وفي الوقت نفسه، تواصلت مطالبات الدار فوريين بتسليم الجناة للمحكمة بأسرع ما يمكن، دون أن تحظى تلك المطالبات برد فعل رسمي سريع، مما يوحي بأن الموضوع محل مناقشات للوصول به إلى «تسوية» من نوع ما.
ورغم أن البيان الصادر عن هيئة محكمة الجنايات الدولية، وتصريحات المسجل العام للمحكمة في أعقاب استلام المحكمة للمتهم، لا يوحي بأي ترتيبات غير عادية يمكن أن يستشف منها أن «تفاهمات» جديدة هي الآن قيد النظر، فإن اللافت للنظر هو الطريقة التي تم بها «استلام» كوشيب -فهو قد سلم نفسه لمندوبي المحكمة عبر حكومة بلد آخر، وتمت العملية خارج السودان، وكأنها دُبّرت لترفع الحرج عن حكومة السودان، كما ترفعه عن جمهورية إفريقيا الوسطى، إذ لم يستسلم لها بل سلم نفسه طوعاً مباشرة إلى المحكمة الدولية، بتدبير مسبق بحيث كانت طائرته تغادر بانقي عند إعلان نبأ استلام المحكمة له، وتأكيدها أنه أصبح في قبضتها.
إحساسي الخاص - الذي لا يستند على أي معلومات مؤكدة - أن تسليم كوشيب نفسه للمحكمة الدولية بهذه الطريقة، يوحي بأنه كان أمراً مدبّراً تم التفاوض حوله بمساعدة فرنسية/تشادية مع إفريقيا الوسطى، وأنه جزء من «سيناريو» يحاول أن يضفي مسحة من «العدالة الانتقالية»، على عدالة لاهاي «العقابية»، ربما عبر طريق إحالة الأمر بقرار من المحكمة الدولية لمحكمة هجين أو أي طريق آخر يقود لمحكمة إفريقية - دولية، هذا مجرد تخمين، ولكن حقيقة الأمر ستنكشف أبعادها بعد أن يمثل كوشيب أمام غرفة ما قبل المحاكمة قبل نهاية الأسبوع.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.