السبت 18 ذو الحجة / 08 أغسطس 2020
05:26 ص بتوقيت الدوحة

الثورة السورية وإحياء الهوية (2-2)

الثورة السورية وإحياء الهوية   (2-2)
الثورة السورية وإحياء الهوية (2-2)
أحيت الثورة السورية بلا شك، كما أحيا الربيع العربي بشكل عام هوية الشعوب، فربطتها بالأيديولوجيا والتاريخ والثقافة والهمّ المشترك، وهو اليوم همّ الحرية بعيداً عن العبودية، بالمقابل كشفت الثورة مدى التلاعب بالهوية، الذي فعله ولا يزال يفعله الاستبداد ومؤدلجوه ومثقفوه، فلا يمكن فهم ما يجري في سوريا اليوم، إن لم نرجع إلى الوراء يوم تشكلت نواة الجيش السوري من ميليشيات «شبيحة» تماماً بمصطلح اليوم وهو جيش المشرق الذي تكون من خمسة آلاف مقاتل، وقفوا مع الاحتلال الفرنسي لقتال ثوار الغوطة وإبراهيم هنانو وغيرهم حينها، لوأد حلم السوريين المبكر بالتحرّر والاستقلال، فكوفئ هذا الجيش المكون من أقليات بأن يكون هو جيش سوريا المستقبل، ولعل هذا هو أحد أسرار ابتعاد الأغلبية السنّية عنه، وهو ما دفع الرئيس السوري الراحل شكري القوتلي في لحظة ما لحلّه، حين أدرك مبكراً أنه من المتعذر تعديل كفته.
اختصرت العصابة الطائفية تشكيل هوية السوريين بمنظمة الطلائع والشبيبة، ثم بعضوية حزب البعث، فحوّلت المجتمع السوري إلى صندوق مغلق، وثقب أسود، فجعلت مصادر المعرفة محدودة محصورة بما تلقنه للأجيال، ويضمن لها تشكيل آراء الأجيال وصوغها بما يخدم هويتها الطائفية الاستبدادية، ولذا أتت الثورة الحالية لتكسر كل تلك القيود، وتفتح أعين الشعب السوري على معارف وتلقينات جديدة لم يألفها من قبل.
اليوم وعلى الرغم من اقتراب السنة العاشرة للثورة السورية، لا نجد تخلي ضابط من الأقلية العلوية عن النظام، وهو ما أثبت أن هذا الجيش لم يكن إلّا امتداداً لجيش المشرق الذي شكّلته فرنسا، وكما كانت مفاوضات السياسيين السوريين مع الفرنسيين الممتدة لعشر سنوات من عام 1936-1946م على نقطة واحدة، وهي عدم التعرّض لمؤسسة جيش المشرق، نرى اليوم حرص الغرب والشرق على إبقاء هذه المؤسسة كما هي، وكأنها هوية الاحتلال في الشام الكفيلة بإخضاع الشعب المتمرد على القيود الداخلية والخارجية، إن فكّر بالتمرّد ثانية، ولكن حرب السنوات العشر كفيلة بتمزيق الجيش وداعميه، ونسف مصداقيته أمام الشعب كله.
النظام السوري الذي تقلّب من الشرق إلى الغرب وما بينهما حتى وقع، فيوماً تراه مع موسكو، وقد أجّر لها قواعد في طرطوس واللاذقية من أيام حافظ الأسد، ويوماً تراه يقف مع إيران في حربها ضد العراق، وهو الذي كان يصفها بالأمس في أدبياته بالفرس، وساعة يتغير فيقف مع الإمبريالية والرجعية في حفر الباطن ضد العراق البعثي، ولحظة أخرى يدعم ويسهّل حركات الجهاديين إلى العراق وغيرها، ورابعة مع المقاومة في فلسطين ومع حزب الله، فهوية النظام هي هوية العصابة الطائفية المستمسكة بالسلطة، ولذا فكلمة رامي مخلوف بداية الثورة «أمن إسرائيل من أمن النظام السوري»، اختصرت كل شيء بهوية سوريا الأسدية التي سعى إلى تسويقها منذ تسليمه القنيطرة وبيعه للجولان، والتدخل بلبنان ومجازره في مخيمات الفلسطينيين من الكرنتينا والبداوي وتل الزعتر وبرج البراجنة وصبرا وشاتيلا، وقتله أكثر من 25 ألف سجين في تدمر لوحدها، كما كشفت وثائق النظام أخيراً، فضلاً عن تسريب 55 ألف صورة للمصور العسكري قيصر.
إن تحديد هوية الشام اليوم وترسيخها أمر في غاية الأهمية، ليُعلم من مع هذه الهوية ممن ينقلب عليها فيُنبذ ويطرد، وكما قيل «كثير حول الوطنية الدعيّة، قليل حول الوطن»، كل ما سبق يفسر صمت عصابة طائفية على تدنيس ميليشياتها قبر رمز من رموز الأمة والشام، وسعيها إلى كسر شواهد قبور ونبشها لمقابر الثوار بخان السبل والأتارب وغيرهما، فهذه الرموز تمثل هوية غيرها وليس هويتها، وإمعاناً لنسف هوية الشام قامت أخيراً ببيع معالم دمشق كمحطة الحجاز العثمانية وهدمها لبناء مجمع فنادق محلها، وكذلك تأجير مطارات الشام وعقاراتها وغاباتها وكأنها مزرعة، ولو كان هناك تحديد للهوية لما بقي من يستمع وينصت لهؤلاء الأغراب!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.