الأحد 21 ذو القعدة / 12 يوليو 2020
10:27 م بتوقيت الدوحة

سياسة ترمب تجاه حادثة فلويد

سياسة ترمب تجاه حادثة فلويد
سياسة ترمب تجاه حادثة فلويد
يعجّ التاريخ الاميركي القريب بالتظاهرات والاحتجاجات الكبيرة والعنيفة، رداً على حوادث عنصرية، وكان أغلب الرؤساء الأميركيين محايدين، ويتفهمون انزعاج الجمهور وانفعالهم ويتغاضون عن بعض التجاوزات، ويتركون مساحة من الحرية لسلطات الولايات في التعامل مع الأحداث في ولايتهم ومدنهم. ولكن الرئيس ترمب دائماً ما يضع نفسه في مواجهة الأحداث، ليس كطرف محايد ومسؤول كما يفترض أن يكون رئيس الولايات المتحدة الأميركية، بل سريعاً ما نجد أنه اتخذ موقفاً منحازاً إلى أحد الأطراف في القضية الخلافية التي تكون قد فجرت التظاهرات.
في بداية فترة رئاسة ترمب، وبعد تفجّر أحداث مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا عام 2017، بسبب قرار البلدية إزالة تمثال «روبرت إي. لي» الجنرال الذي قاد القوات الكونفيدرالية في الحرب الأهلية الأميركية بين 1861 و1865م، وبالتأكيد كان مناهضاً للاتحاد ولتحرير العبيد، ولذلك تداعت الحركات المتطرفة من اليمين وحركة النازيين الجدد وجماعة «كو كلوكس كلان»، المؤمنين بتفوق الجنس الأبيض تحت شعار «وحّدوا اليمين»، وأثاروا موجة عنف شديدة، واصطدموا مع جماعات من المناهضين للعنصرية، ما يهمّنا هو ماذا كان موقف الرئيس ترمب آنذاك؟
لم يدِن تلك الجماعات ولم يشِر إليها من قريب أو بعيد، بل أطلق تصريحاً عاماً لإدانة أعمال الشغب والعنف، وبذلك يساوي ترمب بين المتطرفين ومن يقاومهم من الشعب المؤمن بعدم العنصرية، التي ينصّ عليها القانون الأميركي. كان هذا أول تشجيع رسمي من الرئيس لتلك الجماعات المتطرفة من البيض، وسواء كان الرئيس يؤمن بأفكارهم أو لا، فإنه يعلم جيداً أنهم من ناخبيه، ولذلك فضّل عدم إدانتهم أو وصفهم بأي صفة سيئة، رغم أن أحداث العنف وصلت إلى حدّ الدهس بسيارة للمتظاهرين، وقتل شخص وجرح آخرين! بينما في أحداث الشغب والمظاهرات الأخيرة، التي نشبت إثر مقتل المواطن الأميركي الأسود جورج فلويد على يد رجل أمن متطرف أبيض، اكتفى ترمب بإدانة الجريمة، ولم يتحدث مطلقاً عن مشكلة العنصرية، رغم أنها هي العضال المزمن الذي يقف خلف الجريمة البشعة ضد فلويد. وبعد يوم من أعمال الشغب، خرج ترمب بتصريحاته المستفزّة باستخدام القوة ضد المتظاهرين غير السلميين، ولم يحاول الصمت ليوم أو ليومين لامتصاص غضب الجماهير، ويترك للمسؤولين المحليين حرية التصرف بالتعامل مع الأحداث. لقد تعوّد الجمهور أن لخطابات وتصريحات وتغريدات الرئيس ترمب رونقها الخاص في التحدي، وأحياناً في التعدي على خصومه المحليين والخارجيين، ولكن في الأزمة الأخيرة الناجمة عن حادثة مقتل جورج فلويد وما تلاها من مظاهرات احتجاجية، فقد تعدى ترمب كل الحدود المعقولة، في حديثه الذي امتلأ بتهديدات مبطّنة ترمي إلى إحداث انقسام حقيقي بين المواطنين، كل ذلك حتى لا يستفيد خصومه من حادثة فلويد انتخابياً وليحولها لصالحه هو فقط!
ومن هذه التهديدات الخطيرة مطالبته حكام الولايات بطلب المساندة من الجيش، وهذا ما رفضه أغلب الحكام، وحتى وزير الدفاع نفسه أعلن أن الأمر لا يستدعي ذلك. ونلاحظ أن تهديد ترمب باستخدامه الجيش الأميركي له دلالات رمزية، بالإضافة إلى أنه محاولة من الرئيس لفرض الأمن بالقوة، وخاصة عندما يستخدم ترمب مصطلح «القوات الفيدرالية»، فإنها ترمز إلى قوات الاتحاد التاريخية في أيام الحرب الأهلية، لذلك يحاول ترمب استدعاء الذكريات الأليمة للحرب الأهلية الأميركية، حيث كانت هناك قوتان إحداهما لمعسكر المناصرين للفيدرالية، والأخرى للمؤيدين لمعسكر الكونفيدرالية، وليست مصادفة أن أحد المعسكرين يؤيد العبودية والآخر مع تحرير العبيد، وهذه رمزية أخرى مثيرة للآلام في الذاكرة الأميركية.
حتى سلاح الدين بالرغم من علمانية ترمب والولايات المتحدة، فإنه لم يتورع عن استخدامه، فقد قام ترمب بزيارة مفاجئة إلى كنيسة الرؤساء المجاورة للبيت الأبيض، وإلقاء كلمة مقتضبة عن عودة أميركا العظيمة، في رمزية أخرى، وكأن الولايات المتحدة تخوض «حرباً مقدسة» مع شعبها!!
الخلاصة: ترمب في أواخر العام الانتخابي، ومعروف عنه أنه شخص انتهازي، وبعد أن تداعت كل إنجازاته الاقتصادية التي كانت يتباهى بها بسبب «كورونا»، وتقصيره الواضح في مواجهتها، فلن يتورع عن استخدام أي شيء للفوز.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.