الأحد 14 ذو القعدة / 05 يوليو 2020
06:39 ص بتوقيت الدوحة

مدن الشام فارغة وأهلها يرقبونها من خيامهم

مدن الشام فارغة وأهلها يرقبونها من خيامهم
مدن الشام فارغة وأهلها يرقبونها من خيامهم
لم تكن لتتخيل عائشة وفاطمة وأحمد للحظة أن يحلّ بهم ما حلّ في أول عيد يمضونه خارج البيت الذي ضمهم لسنوات، فجأة وجدوا أنفسهم في خيام رثّة على الطريق الرئيسي الواصل بين اللاذقية وحلب، ليرقبوا من بعيد مدينتهم الجميلة سراقب وبيوتهم الأجمل فيها، لطالما كانت العائلة من الأب والجد يروون لهم ذكرياتهم في بيوتهم العربية التي تحفّها أشجار الزيتون والبرتقال والليمون، قبل أن يخلدوا إلى نومهم، ها هي البيوت يشير إليها أخوهم الأكبر وهي التي لا تبعد الآن سوى كيلو مترات عنهم، مثل عائشة وفاطمة وأحمد تجمع عشرات الآلاف ليلة العيد على الطريق الرئيسي هذا، يرقبون دورهم، بعضهم يرقبه بالعين المجردة، والبعض الآخر أحضر مناظيره التي يحتفظ بها كثيرون، ليقرّوا أعينهم بمرابع الطفولة والصبا، فقد غدت كالمفاتيح التي خرج بها اللاجئ الفلسطيني عام 1948 أمام بني صهيون.
لقد غدا الأوتوستراد الرئيسي اليوم ماركة مسجلة لدوريات مشتركة تركية مع روسيا، في غياب أي حركة للبشر، بينما تقطعت السبل بين جنوب الطريق وشماله، وكأنه خط سايكس بيكو يُرسم من جديد، والأصعب من ذلك كله هو خشية من هم جنوب الطريق من أن يتوجب عليهم بعد فترة الهجرة والشتات، إن تم ضم مناطقهم للعصابة الطائفية المدعومة من الاحتلال الروسي، فكما خرج أهالي معرة النعمان وخان شيخون وسراقب وغيرها مصوّتين بأقدامهم، سيخرج هؤلاء إن اقتحم النظام وسدنته من المحتلين مدنهم وقراهم، ومثل هذا التفريغ السكاني الرهيب الذي يحصل لمدن سنّية عريقة في الشام بصمت وتواطؤ دولي غير مسبوق.
أكثر من مليون ونصف المليون تركوا مدنهم وقراهم بحجة فتح الأوتوسترادات أثناء الحملة الأخيرة، فهل هذه الأوتوسترادات لخدمة البشر، أم لخدمة دوريات عسكرية تضم سيارات وعربات ودبابات، لكن ما يؤلم أكثر بالنسبة للمشردين الساكنين في خيام رثة، أن أنيسهم فيها غدا العقارب والأفاعي، فيومياً يقتل ساكنو الخيام أفاعي وعقارب غدت كوابيس حقيقية لأطفال يعيشون في خيام بعيداً عن أبسط متطلبات واحتياجات البشر.
ومع هذه الحياة الرهيبة التي يعيشها المشردون في الخيام والمخيمات، تردهم الأنباء عن قيام الطائفية تحت سمع العالم وبصره بنهب بيوتهم وسرقتها وتعفيشها، بالإضافة إلى نهب مساجدهم كما حصل في مسجد كفر نبل الكبير، حيث انتزعوا حديد سقف المسجد، فضلاً عن أثاثه، ثم دمروه تماماً، وعلى بعد منه تم تدمير ضريح الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه ونبشه، في سابقة خطيرة لم تعهد من قبل في العصر الحديث، بينما كان ينبغي أن تتخذ منظمة اليونسكو موقفاً تجاه المكانين.
أما قبور شهداء الثورة السورية في المناطق التي احتلتها العصابات الطائفية في حريتان وسراقب وخان السبل ومعرة النعمان وغيرها فقد تم تكسير شواهدها، والعبث بها، ووصل الأمر بطريقة لم يتخيلها بشر، أن استخرج أحدهم جمجمة شهيد ليعبث بها وسط قهقهات وضحكات من أحاطوا به من الشبيحة والطائفيين وهم يدخنون الأرجيلة.
تعود عائشة وفاطمة وأحمد إلى مخيمهم بعد يوم من المفترض أن يكون عيداً، لكنه تحول إلى يوم حزن وخوف وقلق من المستقبل، فقد جمعهم الأوتوستراد الدولي، لكنه أوتوستراد لم يعُد لهم، ولم يعُد لساكني المخيمات، فهذا الأوتوستراد هو الذي اقتلعهم من أرضهم، وها هم اليوم لا يعودون إليه إلا للمظاهرات والاحتجاجات، إن نجحوا في الوصول إليه، لقد بات لعنة لا نعمة لهم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.