الجمعة 07 صفر / 25 سبتمبر 2020
12:08 ص بتوقيت الدوحة

المعاصرة حجاب والتاريخ لا ينصف

المعاصرة حجاب والتاريخ لا ينصف
المعاصرة حجاب والتاريخ لا ينصف
تابعت قبل أيام حواراً بين صديقين كانا يشاهدان شريطاً مصوّراً في مناسبة ذكرى انقلاب 25 مايو، الذي قاده العقيد -حينهاـ جعفر نميري في العام 1969م، ظهر الرئيس الأسبق في لقطات مختلفة اختيرت بعناية، وزادها ألقاً أن الرئيس الأسبق كان بهي الطلعة، ويعرف كيف يلهب الحماس، فظهر في لقطة يهرول على سلم الطائرة قبل أن يصافح مستقبله، وظهر على سطح عربة قطار يلوّح لطوفان بشري استقبله في ريف بعيد، وظهر على ظهر حصان والفنان سيد خليفة يغني: «شدوا لك ركب فوق مُهرك الجمّاح»، فبلغ الحماس بأحد الصديقين أشده وانتصب واقفاً يحيي الرئيس، ثم التفت لصديقه مبدياً ندمه على هتافات رددها بسقوط نميري عندما كان الصديقان طالبين في جامعة الخرطوم، لكن الصديق الآخر لم يجامل صديقه، وسخر من انبهاره بصورة الرئيس على ظهر الفرس، فرد الصديق على الفور إنه لم ينبهر، بل أعجب باللقطة الجميلة التي تعجب الناظر، ولو كان الفارس ذو الهيبة نميري أو أي فارس آخر، وأن للرئيس نميري إنجازات عظيمة تظهرها صور أخرى، مثل وضع حجر الأساس لطريق الخرطوم ـ بورتسودان، وافتتاح مصنع سكر كنانة وقاعة الصداقة وجامعة الجزيرة، لكن الصاحب الذي لا تعجبه سيرة نميري قال، إن كل الحكومات تشترك في رصف الطرق وإنشاء المصانع وبناء المدارس والمستشفيات، لكن قليلاً منها ينجح في اختبار الحرية، وقد كان نميري أحد الذين سقطوا سقوطاً مدوياً في اختبار الحرية، حيث نصب المشانق لمعارضيه أو زجّ بهم في المعتقلات والسجون، وتأرجح بين أقصى اليسار وأقصى اليمين، وظل في كل الحالات يزعم أن خياره هو الأفضل، وما على الشعب إلا أن يبصم على خيار القائد الملهم، فيهتف الشعب لمايو الشيوعية ويبايع الشعب قائد مايو إماماً للمسلمين.
ويتناول المحب لنميري الموضوع من زاوية أخرى، فيرى أن معاصرتهم لنميري -عندما كانوا طلاباً- قد ظلمت نميري، لأن المعاصرة حجاب أعماهم عن رؤية تلك الأيام الزاهرة -حسب وصفه- ليرد صديقه بأن الحنين للماضي شعور بشري مألوف تنسجه العاطفة لا المنطق، لأن الناس يتحدثون عن أيام جميلة رغم أنهم عانوا المشاق عندما كانت تلك الأيام حاضراً معاشاً، فقال محب نميري إن الرجل سوف ينصفه التاريخ، لينبري صديقه برأي مخالف مفاده أن التاريخ يكتبه مؤرخون لن تتاح لهم المعلومات كاملة، فلا يرون الصورة من كل جوانبها، وعليه فإنه يعتبر نفسه في وضع أفضل لأنه عايش فترة حكم نميري، فلا يحتاج لحكم التاريخ ولا يتأثر بعاطفة الماضي الجميل، لذا يعتبر حكمه الأفضل من الناحية الموضوعية، ولخص رأيه في أن نميري كان ديكتاتوراً على رأس حكم جائر، فانفعل صديقه ووصف نميري بأنه كان حاكماً وطنياً مخلصاً، اضطره خصومه للعنف بعد أن بادروا بالعنف.
هذا الجدال لا يخص تجربة نميري وحدها، فهو جدال لم يبدأ بتجربة نميري ولم ينتهِ بها، وقد وجدت الأنظمة والرؤساء الذين أسقطتهم ثورات الربيع العربي جدالاً مماثلاً، كما وجدت تجارب خارج الوطن العربي مثل حكم شاوسيسكو في رومانيا، وما زال الجدل محتدماً في العراق حول صدام الذي قاد العراق المستقر، وصدام الذي أشعل حروباً عبثية وقمع الاحتجاجات الداخلية، وكذلك تجارب الحكم في ليبيا ومصر وتونس أيام القذافي ومبارك وابن علي، ورغم حدة النقاش تبقى الأنظمة الكافلة للحريات هي صاحبة الكفة الأرجح في الجدال.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.