الأربعاء 24 ذو القعدة / 15 يوليو 2020
12:47 ص بتوقيت الدوحة

«العلم يؤتى ولا يأتي»

«العلم يؤتى ولا يأتي»
«العلم يؤتى ولا يأتي»
كشفت لنا جائحة «كورونا» مدى أهمية الانتباه إلى العلماء ومكانتهم، وقد أظهرت لنا هذه الجائحة كم كنّا مقصّرين بحقّ العلماء والأطباء والباحثين والمتخصصين في مجالات العلوم المختلفة؛ فالعلماء في كل وقت هم درة تاج الشعوب، وورثة الأنبياء، وقناديل الحضارة على مرّ التاريخ الذين يقودون قاطرة إنقاذ المجتمع وتنميته وازدهاره. والناظر في تاريخ الأمم -قديمها وحديثها- يلاحظ أن رقيّها وتقدّمها ارتبطا بالعلم والعلماء، كما أن تخلّف الأمم وانحطاطها وتدهورها ومرضها كانت مرتبطة بالجهل والتقليل من قيمة العلماء.
لا شكّ أن التاريخ يروي لنا كثيراً من قصص «ورثة الأنبياء» الذين أعطوا الاعتبار والاحترام لمكانة العلم والعلوم. ولعلّ مقولة «العلم يؤتى ولا يأتي» التي أسوقها في القصة أدناه ستبقى من أكثر المقولات تداولاً في احترام العلماء وتقدير مكانتهم، حين كان الخلفاء والأمراء يطلبونهم للحضور إلى مجالسهم.
يُقال إن الخليفة هارون الرشيد -أقوى خلفاء الدولة العباسية آنذاك- أرسل إلى مالك بن أنس سائلاً إياه أن يأتي إلى العراق لتعليم أولاد الخليفة، فردّ عليه مالك بن أنس: «يا أمير المؤمنين، أعزّك الله، إن العلم خرج منكم؛ فإن أعززتموه يُعز، وإن أذللتموه يُذل. يا أمير المؤمنين، العلم يُؤتى ولا يأتي!». فلم يستطع الخليفة الغضب، وقال: «صدقت، فليخرج الأولاد إلى مالك»، فاشترط مالك بن أنس ألا يتخطّوا الرقاب وأن يجلسوا حيث انتهى بهم المجلس. ومما يروى أن هارون الرشيد أتى المدينة وأرسل إلى مالك أن يأتي إليه ليعلمه العلم، فأعاد مالك له نفس العبارة: «العلم يُؤتى ولا يأتي». فقال هارون الرشيد: «إذاً آتيك.. ولكن قل للناس أن ينصرفوا حتى أنتهي ثم يحضروا هم للدرس». فقال مالك: «يا أمير المؤمنين، إن العلم إذا اختصّ به الخاصة دون العامة لم يستفد به لا الخاصة ولا العامة!»، فحضر هارون الرشيد الدرس، وأشار مالك إليه أن يجلس حيث انتهى المجلس وجلس بكل تواضع ككل من يحضر الدرس.
قد يقول قائل إن واقع الأمة يشير إلى أن أحد أسباب ضعفها وتمزّقها وتكالُب الأعداء عليها إنما يعود في رأي الكثيرين إلى ضعف العلماء وغيابهم عن التأثير في حياة العامة، وفي الوقت نفسه عدم الاهتمام بهم وإعطائهم المكانة الاجتماعية اللائقة، وبدورهم الطلائعي في برامج التنمية وعمليات البناء الحضاري والمنزلة الرفيعة التي من المفترض أن يكونوا عليها والتي خصّهم بها الله تعالى بقوله {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}،وقوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}.
صحيح أن العلم أصبح يأتي إلينا هذه الأيام بكل يُسر وسهولة، ولكننا ما زلنا بحاجة إلى أن تظلّ ثقافة الإمام مالك باقية فينا.. فالعالم الآن تتوجّه أنظاره إلى العلماء المخلصين المنوط بهم دور النهوض بالمجتمعات وتحصينها صحياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وفكرياً.. فهل نحن فاعلون؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.