الأربعاء 24 ذو القعدة / 15 يوليو 2020
12:59 ص بتوقيت الدوحة

مدرسة «شوفوني»!

مدرسة «شوفوني»!
مدرسة «شوفوني»!
أثار انتباهي خبر قبل أيام عن فنان هندي اسمه عامر خان، أعلن عن توزيع كيس طحين صدقة لكل شخص محتاج.. فلم يهتم بهذا الإعلان إلا الفقراء.. وعندما استلموا الأكياس، وجدوا بداخلها مبلغاً من المال (15 ألف روبية)، ولما سُئل عن ذلك قال: «بهذه الطريقة ضمنت أن المال ذهب لمن هم في أمس الحاجة إليه».
بالمناسبة عامر خان -يا رعاكم الله- لم تظهر له صورة وهو يوزّع أو يتبرّع ويفعل الخير، بينما تموج صفحات التواصل الاجتماعي بفاعلي خير، وهم يقومون بتصوير الفقراء والمعوزين من الأفراد والأسر أثناء إعطائهم الصدقات العينية والمادية! لا بل نراهم يأخذون «سيلفي» مع هؤلاء الذين تعكس صورهم كمية الألم في قلوبهم، والغصة التي تقف في حناجرهم التي لا تخفيها نظرات عيونهم وصمتهم المستتر بستائر الاستسلام لواقع ظاهرة عمل الخير المغموس بالرياء.
نعم، هناك استعراض إعلامي لبعض «فاعلي الخير» في عالمنا العربي، تحت شعار «شوفوني وأنا أعمل خير»، يصوّرون حملات مساعدة الفقراء والتصدّق عليهم ومد يد العون إليهم بتوظيف «مآسيهم» في أهداف ومقاصد نفعية شخصية بعيدة عن روح عمل الخير ومعانيه الحقيقية! فهل يبحث هؤلاء عن عمل الخير وطلب الأجر والثواب من الله، أم يطلبون الشهرة وتناقل أسمائهم بين الناس وكيل المديح لهم في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة؟! إنها بلا شك مبالغات في عرض الإحسان والتصدق على المحتاجين بطرق تثير الاستغراب، فأصغر الأعمال يتم نشرها بصورة تصيبك بالدهشة، وتوحي بأنّ كل ذلك من أجل مدح الناس والظهور على نهج مدرسة «شوفوني» الريائية. ولا نرى فيهم إلا أشخاصاً كل ما يريدونه هو تلميع أنفسهم، والظهور على أكتاف المعوزين والمحتاجين. وعادة ما يسكن هذه التركيبة النفسية كثير من حب لفت الأنظار إليها، أو ما يطلق عليه «نرجسية»، حتى لو كان ذلك على حساب الجانب الروحاني والديني.
هناك مؤسسات وجمعيات خيرية وأنشطة ومبادرات ربما تكون فردية وأخرى جماعية تطوعية تقّدم العون للمحتاجين، إما بمبالغ مالية دورية أو بمساعدات عينية كالملابس والأطعمة والأثاث وغيرها، ونراها في رمضان على وجه الخصوص، ولا شك أنها تقوم بنشاط إنساني حضاري محمود، وهي محل تقدير واحترام. كما نعرف أيضاً شخصيات فُطِرت على حب الخير ومساعدة الغير، وما تريده من التقاط صورة سوى إشاعة الخير، ونشر الفضيلة، وتحفيز الناس على فعله، فنحن لا نشكك في هِمّة بعض أصحاب الخير من الشباب والمتطوعين من باب أن فعل الخير أمر جميل، والدال عليه كفاعله.
ما عنيته بهذه السطور هم الأشخاص الذين يريدون الظهور على أكتاف الفقراء ويبالغون في عرض الإحسان إليهم، ولفت الأنظار بمشهد يشعرنا بالغثيان! فلم يكن يوماً -يا رعاكم الله- لعمل الخير أو الصدقة حكاية تروى وتوثّق بالصوت والصورة، ولم يكن لتقديم الخير وعمل المعروف طقوس دعائية بهذا الابتذال.
وأخيراً؛ عزيزي فاعل الخير تذكّر -بهذه الأيام الفضيلة- وأنت تساعد فقيراً أنه سيشعر بالألم والحرقة والقهر، بسبب إجباره على التقاط صورة له، وتضطره للموافقة بسبب قوة حاجته وعوزه لتبرّعك. فإخفاء الصدقة حين تكون تطوعاً أولى وأحبّ إلى الله؛ وأجدر أن تبرأ من شوائب التظاهر والرياء. يقول عز جلاله: «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِي وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ». وثبت في الحديث أن «صدقة السِّر تُطفئ غضب الرب». والله من وراء القصد.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.