الثلاثاء 16 ذو القعدة / 07 يوليو 2020
03:37 ص بتوقيت الدوحة

«كورونا».. الدرس الأهم

«كورونا».. الدرس الأهم
«كورونا».. الدرس الأهم
من الصعب أن يُمحى مشهد انهيار دفاعات الدول الأكثر تقدماً اقتصادياً وتكنولوجياً وصحياً أمام انتشار فيروس كورونا من الذاكرة البشرية، ومن مخيلة سكان من ستُكتب لهم الحياة من أبناء هذه الدول، على وجه الخصوص، فالجميع سيتذكرون بعد زوال الوباء -الذي أقام الكرة الأرضية وأقعدها- تلك المرحلة التي كانوا فيها على بُعد (قوسين أو أدنى) من الهلاك، وأن إمكانيات دولهم «العظمى» لم تقدّم لهم أية ميزة نسبية في مواجهة الوباء العابر للحدود.
لقد أجبر «كوفيد - 19» عشرات الدول على غلق حدودها، وحظر تجوّل مواطنيها، حشر أكثر من 3 مليارات نسمة في بيوتهم، هزّ اقتصاد الكوكب، وأطاح ببورصاته، وأخلى الملاعب والمسارح والأسواق العالمية، وأعاد تقييم الأولويات الداخلية والخارجية... فالسور العظيم لم يحمِ الصين، وعظمة بريطانيا لم تُجْدِها نفعاً، وكل الطرق المؤدية إلى روما تم قطعها، بينما عجزت كل التكنولوجيا العلمية والعسكرية في أميركا سيدة العالم والقارة العجوز عن إخراج الفيروس من خلية رئوية واحدة!
أماط فيروس كورونا اللثام عن مجموعة من الأمور في مختلف المجالات، خاصة فيما هو اجتماعي واقتصادي وصحي وتعليمي، وقد أجبر كل المجتمعات على الدخول في دورة تعليمية مكثّفة في كيفية التعلّم عن بعد، والشراء عن بعد، وتعزيز خدمة «الأونلاين»، وضخ دماء جديدة في الطب والتعليم، وتعزيز الرأسمال البشري كأساس تُبنى عليه الأمم، واستثمار الوسائل والتقنيات التكنولوجية بهذا المضمار. كما بينت «كورونا» أهمية التقدم في البحث العلمي والطبي، وإعداد الكوادر والمؤسسات، وأن البشرية بحاجة للمستشفيات أكثر من السجون، وبأن التوعية الصحية ليست ترفاً بل واجباً.
وفي ظل مشاعر الخوف والاضطراب من جائحة «كورونا»، فإن النقاط الأخرى التي لا بدّ من الإضاءة عليها وبعجالة، هي تلك التي أوقدت فينا محنة التدبر والنظر والتفكير والتأمل في حالنا وأحوالنا، والأهم أن هذا الفيروس ليس مجرد أزمة عابرة، كما يعتبرها البعض، ولن تمرّ كما مرّ غيرها، كيف لا وقد لقننا هذا الفيروس دروساً لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، وقد أجملتها رسالة وصلتني عبر «واتس آب» مفادها: أن «كورونا» بيّن أن الأغنياء في الحقيقة أقل مناعة من الفقراء، وليس هنالك أي كاهن أو مشعوذ قادر على شفاء مرضى هذا الوباء، وأن الكوادر الصحية والطبية يستحقون أكثر مما يكسبه أساطير الرياضة، وأن النفط لا قيمة له في مجتمع بدون استهلاك، وأن أغلب الأعمال يمكن إدارتها من المنزل، وأن التعود على الحياة الصحية ليس بالأمر الصعب، وأن الإعلام مليء بالكلام الفارغ، والممثلين مجرد مسلين، وليسوا أبطالاً، وأن الحياة هشة للغاية، فلذلك لا بدّ أن نتعامل معها بكل حذر.
وأخيراً أقول: إن الدرس الأهم برأيي -الذي يمكن استخلاصه- هو أن هذا الوباء استطاع في فترة وجيزة أن يعيد حساباتنا بين ليلة وضحاها، وكأنه أراد أن يؤكّد لنا أننا لسنا أسياداً على هذه المعمورة، وأن العالم باستطاعته المضي قدماً من دوننا، وأن الإنسان مهما تعاظمت اختراعاته وتقنياته، فحاله «وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا «.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.