الثلاثاء 16 ذو القعدة / 07 يوليو 2020
03:07 ص بتوقيت الدوحة

أين تضيع جهود الأحزاب السودانية؟

أين تضيع جهود
الأحزاب السودانية؟
أين تضيع جهود الأحزاب السودانية؟
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب والأوطان المتطلعة لأساسيات الحياة، ولا بدّ من حشد الإمكانات والطاقات لبناء الوطن بدلاً عن تشتيتها وإهدارها بالخلافات السياسية التي ترتبط عادة بالتعددية الحزبية، حسب رأي الرافضين للتعددية.
ورغم أن المقارنة بين الديمقراطية التعددية ونظام الحزب الواحد قد أثبتت جدوى النظام الديمقراطي، فإن الأحزاب السياسية السودانية لم تنجح في تقديم رؤى متميزة خلال التجارب الديمقراطية الثلاث التي عاشها السودان. فما السر في ذلك؟
الإجابة المألوفة هي أن الديمقراطية لم تجد الفرصة الكافية، حيث كانت الانقلابات العسكرية تقطع الطريق على الديمقراطية، قبل أن تبلغ التجربة أربع سنوات في أفضل الأحوال. هذه إجابة مقبولة في الدفاع عن الديمقراطية التي تعتبر نظام حكم وليست برنامج حكم، فالديمقراطية تهيئ للأحزاب الإطار الرحب الذي يمكّن الأحزاب من تقديم رؤاها بحرية، وبلا تضييق، لكن لم تعرف عن الأحزاب رؤى تشد الانتباه، رغم ما يتيحه لها النظام الديمقراطي من سعة، فما السبب يا ترى؟
إن السبب الأقوى لتفسير هذه الظاهرة هو أن الأحزاب لا تبذل جهدها الأكبر في بناء نفسها، بما في ذلك إعداد رؤاها وبرامجها، لكنها تنشغل بإظهار عيوب خصومها ونقاط ضعفهم انشغالاً يصرفها عن تقديم رؤاها الخاصة، وبناء قدراتها الذاتية، فيجتهد اليسار لإثبات رجعية الأحزاب الكبيرة التي تنشغل هي الأخرى بالتأكيد على غربة اليسار الفكرية والوجدانية عن جموع الشعب السوداني.
وقد كان هذا المثال واضحاً في الديمقراطية الثالثة، حين انشغل كل فريق بالآخر حتى سقط النظام. ومما يُؤسف له أن هذه الظاهرة تلقي بظلالها على المشهد السياسي بعد انتصار ثورة ديسمبر؛ إذ أطلت بوجه جديد متمثل في انشغال القوى السياسية بالتذكير بفساد واستبداد نظام الإنقاذ الذي سقط، وكأن الشعب الذي أسقط ذلك النظام لا يعرف ما دفعه للثورة على نظام البشير.. إن الانشغال بنظام الإنقاذ تعبير عن عجز هذه القوى السياسية عن تقديم رؤاها البديلة لرؤى النظام الفاشل. كما يلاحظ أن القوى المسيطرة على الحكم بعد الثورة تعزو فشلها إلى معيقات تضعها دولة الإنقاذ العميقة التي لا تزال تسيطر على مفاصل الدولة، بحسب تبرير القوى الحاضنة للحكومة.
فلتنصرف الأحزاب إلى تقديم رؤاها الواضحة بدلاً عن الانشغال بالغير، ولتجتهد حكومة الثورة في توفير الخدمات الضرورية بدلاً عن الاعتذار عن العجز بمعيقات وهمية تتخيلها التنظيمات التي تمثّل الحاضنة السياسية لحكومة الثورة. ولتعلم كل القوى السياسية أن البرامج الواضحة لا تميّز الأحزاب فحسب، بل إنها تكشف أيضاً المشتركات بين برامج الأحزاب المختلفة، وهذه مقدمة لخلق مشروع وطني تلتف حوله كل أو جل القوى السياسية، فيضع الوطن قدمه على الطريق الصحيح، بدلاً عن الوضع الحالي الذي يروج فيه سوق الكلام، حيث يتبارى الساسة في استعراض بلاغتهم في ذمّ خصومهم. فهلا اعتبرت الأحزاب بتجاربها السابقة؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.