الجمعة 12 ذو القعدة / 03 يوليو 2020
02:00 ص بتوقيت الدوحة

عن رفع الدعم والإبقاء عليه

عن رفع الدعم والإبقاء عليه
عن رفع الدعم والإبقاء عليه
يدور منذ أشهر جدال حول رفع الدعم كخيار لتحسين حال الاقتصاد السوداني، لما يمثله الدعم من عبء ثقيل على كاهل الاقتصاد، وتقابل هذا الخيار دعوة للإبقاء على الدعم حتى لا يثقل كاهل المواطن، وللتوفيق بين الرأيين يجب عدم النظر إلى كل السلع والخدمات نظرة واحدة، فالأمر تلزمه رؤية دقيقة تفرز السلع والخدمات التي ينبغي دعمها والتي يجوز دعمها، والتي يجب رفع الدعم عنها، بما يعود على الدولة بما يعينها على دعم الفئة الأولى، هذا الفرز الدقيق الضروري يوجه الدعم لمن يستحق، ويحفظ إيرادات الدولة من أن تهدر في دعم غير مستحق.
ولتقديم صورة تعين على الفكرة، نشير إلى الحقيقة القائلة إن حاجات الناس ليست كلها على درجة واحدة من الإلحاح، وإن الأولويات تختلف من شخص لآخر، فيعالج كل فرد قائمة أولوياته وفق ظروفه ومستجداته، لذا قد يحتمل الناس رفع الدعم عن خدمة أو سلعة ولا يحتملون رفعه عن أخرى. فقد يؤجل أب إلحاق ابنه بالمدرسة عاماً لظرف يخص الأب، أو قد يؤجل طالب دخوله للجامعة عامين حتى يعين أهله، وتتعدد الأمثلة، فقد يرحل شخص إلى منزل أصغر، ويقلل آخر فاتورة الطعام، ويشتري أب لأطفاله ملابس أرخص، ويؤجل شخص سفره أو عرسه، ويلغي آخر اشتراكه في النت، ويقلل صاحب سيارة كمية وقود سيارته، أو قد يبيع السيارة إذا أصبح سعر الوقود فوق احتماله، ويقلع مدخن عن التدخين إذا أصبحت السجائر عبئاً ثقيلاً على جيبه، قد ننصح شخصاً أو نلومه أو نغلظ عليه أن اسكن بما تستطيع والبس في حدود استطاعتك، وكل ودخّن وسافر وادرس وعرس «قدر قروشك»، لكن لن يجرؤ عاقل أن يجري هذه القاعدة على مريض فقير، فينصحه بأن يمرض «قدر قروشه» في حدود الزكام والصداع، أو أن يؤجل ألمه، أو أن يقلل جرعة الإنسولين، أو حبوب الضغط، وألا «يتورط» في أمراض مكلفة مثل الفشل الكلوي.
لن يحسّ أي منّا بأن مصيبة قد وقعت إذا باع شخص سيارته، لأنه لم يعد يحتمل سعر البنزين الغالي، لكن العار سوف يلطّخ سمعة المجتمع والدولة، لو أن رجلاً أو امرأة أو طفلاً قد مات، لأنه قد عجز عن دفع قيمة الدواء، هذه الحقيقة التي لا جدال حولها، تؤكد ضرورة ضمان الدولة الرعاية الصحية للجميع، حتى لا تترك ثغرة قد يتسلل منها احتمال موت مريض بسبب الفقر.
للموضوع صلة بتوظيف القطاعين العام والخاص معاً، بما يفعّل كل قطاع فيما يناسبه، فيسند للدولة بقطاعها العام مسؤولية الرعاية الصحية، وتترك للقطاع الخاص مجالات حقق فيها نجاحات مشهودة.
ولا بدّ من الاعتبار بتجارب سابقة فاشلة، تمثلت في إصرار اليسار على تحجيم القطاع الخاص، بقرارات التأميم والمصادرة في بدايات عهد مايو، وفي إصرار اليمين على تحجيم القطاع العام، بقرارات الخصخصة في عهد الإنقاذ، رغم أن تجربة توظيف القطاعين حققت نجاحاً مقدّراً قبل مايو، فكانت السكة الحديد والخطوط الجوية والخطوط البحرية والنقل النهري ومشروع الجزيرة ومصنع الجنيد وغيرها، وفي وجود مؤسسات كبيرة للقطاع الخاص مثل المصارف الكبرى والشركات والصناعات التحويلية، كدليل قوي على أن توظيف القطاعين معاً ليس توفيقية مستحيلة.
فلترفع الدولة دعمها عن البنزين وأشباهه من سلع وخدمات، لا يترك رفع الدعم عنها تشوهات اجتماعية، ولتبقِ الدولة دعمها لسلع وخدمات يرسم رفع الدعم عنها صوراً لمآسٍ اجتماعية تدمي القلوب.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.