الأحد 09 صفر / 27 سبتمبر 2020
11:40 م بتوقيت الدوحة

إلى كل مَن يحب بيروت

سحر ناصر

الخميس، 30 يناير 2020
إلى كل مَن يحب بيروت
إلى كل مَن يحب بيروت
ماذا يحدث في بيروت؟ كيف يعيش اللبنانيون؟ قد لا تكون الأيام العشر التي قضيتها في بيروت مؤخراً كافية لمنحي حق التعبير باسم كل اللبنانيين، ولكنها كافية إلى حدٍّ ما للشعور بما يحدث في هذه العاصمة التي لا تتعب من التمرّد والنضال من أجل البقاء كما هي «بيروت».
مقهى أميركي بعلامته التجارية الخضراء، لبناني الأهواء والأجواء جمعني وأصدقائي في شارع الحمرا، كل منّا ينتمي بالقيد إلى طائفة معينة لم نخترها ولم -ولن- نكترث بتصنيفاتها يوماً، كل منّا يعمل في مجال الصحافي والدبلوماسي والكاتبة وعازفة العود.
الاحتجاجات، الحكومة العتيدة، لم تكن محور اهتمامنا، ربما لأننا مدركون في قرارة أنفسنا، ومع الأسف أن القرار الدولي المتخذ بحق الشعب اللبناني هو إبقاؤه تحت رحمة أمراء الحرب الأهلية حتى إشعار آخر، لحسابات إقليمية، دولية، اقتصادية، وسياسية.
اللقاء في ذلك المقهى كان جميلاً كجمال الطلاب الشباب الذين ما زالوا يبدعون، يتبادلون الدفاتر التي تحتوي الجذور التربيعية، وقوانين الجاذبية، ورسومات ملونة عن الجينات الوراثية، يتشاركون حلّ المسائل الرياضية بمتعة، تمنحك الأمل أنك في بلد، يشغف شبابه بالعلوم، كشغفهم بالسياسة.
سياسي مخضرم يتجاوز السبعين من العمر، ليس بالوجه الشهير، ولو كان كذلك لكان غير مرحب به في أي مقهى بالحمرا، يعرف اسمه في الأوساط الأكاديمية، لأنه كان بارعاً في الوساطة بين بيروت ودمشق، جلس والجريدة بين يديه ترتجف ربما لأنها تنتظر تقييمه أو استجوابه، تصفح كل صفحة وكلمة، من فقرة «أسرار الآلهة» إلى فقرة حول العالم، حاجباه انعقدا أكثر مما ابتسمت شفتاه لدى قراءته الأخبار اليومية والتحليلات والمقالات، ومع ذلك، كان سمعه يلتقط ذبذبات شباب منحوا أنفسهم حق الهرب من الدوام بجرأة، ولِمَ لا؟ فالمحظوظ منهم يعمل بنصف راتب، والآخر سخرة حيث لم يقبض راتبه منذ 7 أشهر، وزميله يعيش على أمل «بكرا منقبض».
الأجواء جميلة ودافئة لم يعكّرها حتى عصف الأمطار في الخارج وصوت الهواء، بقدر ما عكّرها -بالنسبة لي- واقع تلك العاملة الخمسينية التي تهتم بشؤون تنظيف دورات المياه، والتي كانت سعادتها سبب تعاستنا لوهلة، إذ عبّرت عن فرحتها بمكافأة مالية مُنحت لها قيمتها 150 دولاراً أميركياً» -وطبعاً القبض بالليرة اللبنانية- وذلك لأول مرة بعد 17 عاماً من العمل في الشركة نفسها، وسبب المكافأة أنها «لم تشارك في الثورة» على حدّ قولها!
يقابل سعادتها، حزن سيدة في الستين تقريباً، شعرها عسلي كلون المعطف الذي ترتديه، دمعتها كانت قريبة كفاية لتنتقل إليك رغماً عنك، كانت تقلّب صور أبنائها المغتربين في «فيس بوك»، وتبحث عن شبيه لهم في وجوه الداخل والخارج من المقهى، هذه السيدة كانت تشبه بيروت إلى حدٍّ بعيد، إذ إن دمعتها كانت عصيّة رغم حزنها وحنانها، لكن الأمل الذي يسكن فيها بعث الدفء في أرجاء المكان. هي كبيروت، تدفعك للإيمان بأن مفاجأة سعيدة على وشك الحدوث الآن، كأن يدخل ابنها من باب المقهى، لا يسعك إلا أن تثق بذلك، وأن تتشبث بهذا اليقين، وتنتظر ما تحمل لك الأيام كما الطفل ينتظر صباح العيد ليرتدي حذاءه البرّاق الجديد.
إلى كل من يحب بيروت، أشجارها تزداد خضرة وانتعاشاً، أمطارها ما برحت تحمل خيراً، جدرانها مطلية بخط الفقراء ولكنها ملوّنة، ناسها ما زالوا يبتسمون ويحبون، يرحّبون بالغريب قبل القريب. إلى كل من يحب بيروت، لقد همست لي هذه المدينة أنها تخبئ لنا مفاجآت سعيدة، هكذا أخبرتني، وهكذا حدسُ الكاتب أنبأني.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا