الإثنين 03 صفر / 21 سبتمبر 2020
06:26 م بتوقيت الدوحة

الانطلاق من الذات

الانطلاق من الذات
الانطلاق من الذات
توصّلنا في المقال السابق من هذه السلسلة إلى المفهوم السائد للتميز الوظيفي، والمعتمد على الالتزام بالمهام والمسؤوليات، وأوضحنا القصور الذي يعانيه هذا المفهوم من محدوديته في تحفيز الموظفين على الإبداع والمبادرة، فضلاً عن الخلل المصاحب لتطبيقه من حيث إهمال المهنية والعدالة في اختيار وتكريم وتشجيع الموظف المتميز. وخلصنا إلى أن الالتزام بمهام الوظيفة ما هو إلا أحد عناصر التميز، ليبقى الوصول إلى غايتنا مرهوناً بتحقيق أهداف خارجة عن نطاق الوصف الوظيفي، وتحقيق أهداف محفّزة للطاقات ورافعة للمعنويات ومرتقية بمستوى الموارد البشرية، ومتميزة في جودة الخدمة، ومنسجمة مع الرؤية الوطنية؛ بل يتوجب علينا أن نتخذ من التجديد والتطوير سبيلاً للنهضة، ومن منهج الثواب والعقاب مسلكاً للعدالة.
يقول وليام جيمس في هذا السياق «إن الفرق بين العباقرة وغيرهم من الناس العاديين ليس مرجعه إلى صفة أو موهبة فطرية لدى العباقرة، بل الفرق هو في الغايات التي يوجهون إليها هممهم».
فحسبك أن تتحرك إرادة التغيير في نفسك لتبادر في سبر أغوار طرح جديد ونظرة ثاقبة للتميز، تستوعب الواقع المعيش بكل تحدياته، وتستشرف المستقبل بطموحٍ إلى فرصه الواعدة وتعتمد على استغلال الإمكانيات والموارد المتوفرة. ويوضّح الشكل في الأسفل عناصر التغيير الأساسية التي نعتقد، من خلال الخبرة والملاحظة والبحث، أنها تؤدي -إذا ما تم التركيز عليها- إلى تحرّر الموظف من قيود البيئة المحيطة، وخلق فضاءات من الفرص الواعدة، تلك العناصر الثلاثة هي: (الرؤية، والأهداف، والمبادرة). وسنركز في هذا المقال على أهمية أن تكون لدى الموظف رؤية خاصة، في حين سنتحدث عن باقي العناصر في المقالات اللاحقة تباعاً.
تُعرف الرؤية بأنها «البوصلة التي تقودنا إلى الوجهة التي وضعناها لأنفسنا في الحياة»، وهي عملياً الصورة الذهنية لما نريد أن نكون عليه في المستقبل.. فقط أَغْمِض عينيك وتخيَّل ماذا تريد أن تكون بعد مدة محددة من الزمن.
وتأتي أهمية وجود رؤية لدى الموظف من كونها تركز جهوده وتسخّر الإمكانات والموارد المتاحة له في اتجاه معين، يخدم هذه الرؤية ويحقق أهدافها؛ لذا قلّما تجد فرداً ناجحاً ليس لديه تصوّر عما يريد أن يكون عليه في المستقبل، كما نجد أن الرؤية من العوامل المشتركة بين الناجحين، سواء أكانوا رجال أعمال أم علماء أم مديرين عامين برزوا في مجال عملهم.
يقول ستيفن كوفي: «عندما نتحدث عن شغف الرؤية، فنحن نتحدّث عن طاقة عميقة يغذيها إدراكنا للمساهمة الفريدة التي نملك القدرة على تقديمها. أي الأثر الذي يمكننا تركه. إنها توضّح الغاية وتحدّد الاتجاه، وتمكّننا من تحقيق أداء يتجاوز الموارد المتاحة لنا».
ولكي تكون الرؤية فعّالة، علينا أن نعير الكثير من الانتباه لما يلي:
- يجب أن تكون الرؤية طموحة، من حيث كون الطموح هو الدافع للتغيير من خلال التطلع إلى الأمام والمثابرة والسعي إلى التغيير نحو الأفضل دائماً. وكذلك أن تكون واقعية، من حيث الارتكاز على معطيات الواقع في التخطيط للمستقبل. فنجد -على سبيل المثال- أن الموظف المتخصص في نظم المعلومات يطمح إلى أن يكون مستشاراً على مستوى الدولة في هذا المجال، أو أن يؤسّس أو يقود شركة تعمل في المجال نفسه.
- أن تنطوي على قدر من التحدي؛ فلا شكّ أن الصعود إلى القمة ينطوي على تحديات عديدة تتطلب الصبر والحكمة والتخطيط الجيد لتخطيها في سبيل الوصول إلى الهدف. أما البقاء في القاع، فلا يتطلب أي جهد، وكما قال أبوالقاسم الشابي:
ومَنْ يتهيّــب صعـودَ الجبــالِيَعِشْ أبَــدَ الدهــرِ بيــن الحُــفَرْ
لذا يجب أن تبثّ الرؤية روح الحماس والتحدي، من خلال كلماتها القوية وعباراتها الحية، وتعبيرها عما نريد أن نكون عليه في المستقبل. فإذا حلمت بأن تكون من العشرة الأفضل فإنك غالباً ستكون الرقم عشرة، أما إذا كنت تطمح إلى أن تخترق الخمسة الأوائل فلماذا لا تقول ذلك وترفع حاجز التحدي لديك؟
- وكذلك أن تخلق مشاعر التزام، وذلك يأتي من قوة إيمان الفرد بها وارتباطها بالصورة الذهنية لمستقبلنا، وقدرتها في التعبير عن تلك الصورة؛ فعلى الرغم من أن الرؤية تساعد على النظر إلى المستقبل وتشكّل إطاراً محدداً لعملية بنائه، يجب أن ترتكز على الحاضر لأنها تحدّد مَن أنت أولاً، ثم ماذا تريد أن تكون...
وللحديث بقية
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا