الإثنين 22 جمادى الثانية / 17 فبراير 2020
10:21 م بتوقيت الدوحة

السناريو الصعب!!

السناريو الصعب!!
السناريو الصعب!!
انتابتني مشاعر متناقضة خلال متابعتي وقائع جلسة مجلس النواب التونسي، للتصويت على التشكيلة الحكومية لرئيس الوزراء المكلف الحبيب الجملي، والتي انتهت بالرفض.
وكانت تشكيلة الجملي تحتاج موافقة الأغلبية المطلقة من الأعضاء، أي 109 أصوات.. تراوحت تلك المشاعر ما بين الفرحة والسعادة والأمل، وبين الغضب والاستياء، أما الشعور الأول فناتج عن أن هناك بوادر تغيير في دولة من دول الربيع العربي، فلعلها المرة الأولى التي يرى واحد من جيلي جيل خمسينيات القرن الماضي مثل هذا المشهد، وأن يكون لدى أعضاء في مجلس نيابي عربي القدرة على أن يرفض تمرير تشكيلة حكومية مقدمة له، بالمقارنة ببرلمانات أخرى لا تمارس أياً من مهماتها التي كفلها الدستور، وفي القلب منها مراقبة السلطة التنفيذية.. أما المشاعر الثانية، فتعود إلى انكشاف حجم المكايدة السياسية والمعارك الفارغة التي تخوضها بعض «أحزاب الصدفة» وحتى تلك القديمة والراسخة، مما يكشف عن أن بعضها لم يصل بعد إلى درجة النضج، الذي يستطيع معه القبول بحكم الديمقراطية وآلياتها، والرغبة في الحوار والتشاور والحلول الوسط للوصول بتونس إلى بر الأمان، والتفرغ بشكل جمعي لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تواجه تونس خلال هذه المرحلة الدقيقة.
صحيح أن ما حدث في جلسة مجلس النواب، هو نتاج لنتائج الانتخابات البرلمانية التي شهدتها
تونس في السادس من أكتوبر الماضي، والتي أفرزت برلماناً لم يمنح الناخبون فيه أياً من الكتل السياسية أغلبية حتى لو بسيطة، أو أكثرية تسمح للحزب الأكثر أعضاء أن يشكل تحالفات تسمح له بتمرير اختياراته، حيث تشكل البرلمان من عدة كتل، هي «حركة النهضة» 54 نائباً من أصل 217، والكتلة الديمقراطية 41 مقعداً، و»قلب تونس» بـ 38 مقعداً، و»ائتلاف الكرامة» 21 مقعداً، و»الحزب الدستوري الحر» 17 مقعداً، و»الإصلاح الوطني» 15 مقعداً، و»تحيا تونس» 14 مقعداً، و»المستقبل» 9 مقاعد، وغير المنتمين إلى كتل 29 نائباً، مما يؤكد أن التصويت بالأساس في الانتخابات من الجماهير كان تصويتاً عقابياً للنخب السياسية والأحزاب، وتحميلها الجزء الأكبر من الأزمات التي تواجه تونس ما بعد ثورة الياسمين، وكان هذا ظاهراً في حزب كقلب تونس، ورغم أنه لم يتشكل سوى في العام الماضي عام الانتخابات، وبالطبع ليست هذه مدة كافية لتكوين قواعد حزبية، والتواجد بكثافة وسط الجماهير، وفي الإطار نفسه حزب تحيا تونس برئاسة يوسف الشاهد رئيس حكومة تصريف الأعمال، والذي تشكل في 27 يناير الماضي، وحصل على التأشيرة القانونية في 4 مارس الماضي، حصل على 14 نائباً وظهر على أنقاض حزب نداء تونس، الذي كما يبدو انتهى نهائياً من الشارع السياسي، رغم أنه الأقدم بين أحزاب ما بعد الثورة، فقد تشكل عام 2012 ونجح في إيصال الباجي السبسي إلى منصب الرئاسة، وأصبح القوة السياسية الثانية في انتخابات 2014، حينما تحصّلت على 86 مقعداً إلى حزب لم يستطع إلا تحصيل 3 مقاعد فقط في الانتخابات الأخيرة، وتحول إلى مكون من مكونات كتلة الإصلاح الوطني بمجلس النواب التونسي، ولعل عملية الصعود المفاجئ والسقوط المدوي لبعض الأحزاب الوليدة في تونس، تمثل جزءاً من الأزمة السياسية التي تواجهها البلاد، فالمكايدة السياسية هي التي دفعت بعض الأحزاب إلى معارضة تولي النهضة رئاسة الحكومة، بحجة الاستحواذ على كل المناصب، فاضطرت إلى ترشيح المستقل الحبيب الجملي، وهو غير محسوب عليها بالمطلق، وإن كان مثل يومها حلاً وسطاً يرضي بعض تلك المكونات قبل أن تتراجع عن موقفها مثل حزب الشعب، بينما أخرى راحت تبحث عن مغانم، مع الإصرار على حصة من الحكومة، ومنها حزب التيار الديمقراطي الذي طالب بمنحه ثلاث وزارات، كشرط لدخول الحكومة، وهي وزارات الداخلية والعدل والإصلاح الإداري.
ويبدو أن الخوف من السيناريو المقبل، والخيار الأصعب، وفقاً للفصل الـ 89 من الدستور، هو ما يدفع إلى التفاؤل الحذر، والاتجاه إلى التوافق والقبول بمرشح رئيس الدولة قيس سعيد لرئاسة الحكومة، لأن رفض البرلمان له، يعني الدعوة إلى انتخابات جديدة، والنجاحات التي حققتها مكونات سياسية بعينها في أكتوبر الماضي، خاصة الأحزاب الوليدة، مهددة بالتراجع، المهم أن تصل تلك المكونات إلى مرحلة النضج الكفيل للمساهمة بإيجابية في الخروج من الأزمة الحالية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.