الأربعاء 24 جمادى الثانية / 19 فبراير 2020
07:03 ص بتوقيت الدوحة

التباين بين المفهوم السائد للتميّز الوظيفي وتطبيقاته

التباين بين المفهوم السائد للتميّز الوظيفي وتطبيقاته
التباين بين المفهوم السائد للتميّز الوظيفي وتطبيقاته
كما بيّنّا في المقال السابق أن المفهوم السائد للتميّز الوظيفي ينحصر تحت سقف الواجبات والمسؤوليات الوظيفية، ويُقاس في أفضل الأحيان بمسطرة الوصف الوظيفي، وإذا ما قبلنا بهذا المفهوم المختزل للتميّز الوظيفي، وانتقلنا إلى الممارسات التطبيقية له في القطاع الحكومي تحديداً، وفي باقي القطاعات بصفة عامة، لوجدنا ذلك التباين الواضح بين النظرية والتطبيق، وذلك لأن عملية اختيار الموظفين المتميزين، والذين يتم تكريمهم في الاحتفال السنوي للمؤسسة مثلاً، أو في أي مناسبة أخرى، غالباً ما تعتمد على اجتهادات المسؤول المباشر، وليس على معايير مؤسسية واضحة ومكتوبة بحيث تضمن قدراً من النزاهة والشفافية، إن ما يحدث في أغلب الأحيان هو أن المسؤول المباشر يحاول إرضاء جميع موظفيه من خلال ترشيحهم كموظفين متميزين واحداً تلو الآخر، حتى يتم تكريم أغلب الموظفين إن لم يكن جميعهم.
وفي محاولة بسيطة لإثبات ذلك، تواصلت قبل عدة سنوات مع ثلاث جهات خدمية من التي تحرص على الاحتفاء السنوي بالموظفين المتميزين، وذلك لمعرفة معايير التقييم التي يستندون إليها في اختيار المميزين، ومعرفة أيضاً أهم المساهمات التي ميزتهم عن زملائهم، فكان الجواب هو أن الاختيار تم بمعرفة مدير الإدارة نفسه، في حين لا يكاد يوجد شيء حقيقي يميز هؤلاء المكرمين.
إننا عندما نكرّم الموظف على أدائه المتميز لهذا العام مثلاً، فإننا نحفزه لبذل مزيد من الجهد والتفاني، ولكن عندما لا يتم تكريمه في السنة التي تليها بالرغم من أنه لا يزال الأفضل بين زملائه بحجة إعطاء الفرصة للآخرين، فإن ذلك يؤدي إلى إحباط الموظف وتدمير روح المنافسة، بل تفريغ عملية التكريم من محتواها أصلاً.
وفي المقابل، لو افترضنا تحقيق العدالة في تطبيق هذا المفهوم للتميّز، لن نجني من هذه العملية أكثر من تشجيع الموظفين على الالتزام بمسؤولياتهم الوظيفية، أما إذا أردنا أن نحصل على موظف طموح، ومبدع، ومبادر، ويمتلك مهارات قيادية، له رؤية وأهداف واضحة ولديه القدرة على التكيف والتعامل مع المستجدات، ويمتلك قدراً كبيراً من الثقة بالنفس، فإن علينا أن نتبنى برنامجاً للأداء المتميز، وليكن على مستوى الدولة، ويكون تحت إشراف لجنة مختصة يتم من خلالها وضع معايير تساعد على تقييم فئات التميّز الوظيفي، وبالتالي يتحدد تبعاً لتلك المعايير الموظف المتميز في الأداء. كما ينبغي عند وضع المعايير الاهتمام بالعناصر ذات الأثر الأكبر في رفع الأداء الحكومي، ومنها على سبيل المثال: الإنجازات والنتائج، الأداء الكفء، المبادرات الإبداعية، التعاون وعلاقات العمل، الالتزام الوظيفي والسلوكي، درجة المشاركة، تحمل المسؤولية، التنمية الذاتية، المهارات الإشرافية، المهارات القيادية، ودرجة التعلّم.
نلاحظ مما سبق أن اختيار الموظف المتميّز في الأداء يكون عن طريق لجنة مختصة، وليس مدير إدارة أو رئيس قسم، وأن هذه اللجنة لديها معايير واضحة وموضوعية وشفافة، وأن تلك المعايير منسجمة مع رؤية المؤسسة، كما أنها منسجمة مع الرؤية الوطنية، ونستطيع من خلال قراءة تلك المعايير بتدبر أن نستوحي الأهداف المرسومة لهذا البرنامج، ونستشف الرؤية المحفزة في نهاية المطاف إلى رفع الأداء الحكومي.
نستنتج مما سبق أن تحقيق الالتزام بمتطلبات الوظيفة، كما نصّ عليه عقد العمل وبيّنه الوصف الوظيفي، يجب أن يكون أحد عناصر التميّز الوظيفي وليس كل شيء، وأن الالتزام بمتطلبات الوظيفة مطلوب فقط من الموظفين العاديين، وليس من الموظفين الذين يطمحون إلى التميّز؛ لأن هؤلاء قد يقومون بأعمال تتجاوز الحدود القصوى لمتطلبات وظائفهم، فهم ملتزمون دائماً «بتحطيم الأرقام القياسية».
لقد أوضحت لنا نتائج الاستقصاء الذي ذكرناه في فقرة سابقة عن مفهوم التميّز، أن 85 % مرتبطة بالإنجاز والجودة والسلوك، في حين 15 % فقط مرتبطة بوضوح الهدف وإثبات الذات والمبادرة. وبتطبيق نظرية باريتو وهي ما تُعَرفُ بـ «نظرية 20/80»؛ أي أن 80 % من النتائج تحدث بـ 20 % من الأسباب، فإننا نعتقد أن النقلة النوعية في تميّز الموظف ستأتي من الـ 15 % المرتبطة بوضوح الهدف وإثبات الذات والمبادرة؛ لذا سنركّز في المقال التالي على ثلاثة عناصر نرى ضرورة توفرها في الموظف المتميّز، هذه العناصر تقع في دائرة تأثير الموظف، وتكفل له «التميّز المطلق» حتى في ظروف العمل المثبطة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

اكتشف طاقاتك الكامنة

16 فبراير 2020

الثقة بالنفس

09 فبراير 2020

لا همّة بلا هدف

03 فبراير 2020

كيف تتصور مستقبلك؟

26 يناير 2020

الانطلاق من الذات

19 يناير 2020