الأحد 28 جمادى الثانية / 23 فبراير 2020
11:30 م بتوقيت الدوحة

لنجعل عام 2020 عام الإنتاج في السودان

لنجعل عام 2020 عام الإنتاج في السودان
لنجعل عام 2020 عام الإنتاج في السودان
الوضع الاقتصادي في السودان ظلّ مأزوماً على مدى العامين الماضيين، وقد اختلّت الموازين الداخلية والخارجية، وتدنّت قيمة العملة السودانية إلى أدنى مستوياتها، وبلغ التضخم نسباً غير مسبوقة، ولم تعد دخول الناس كافية لتغطية مجرّد جزء من ضروريات الحياة.
الحكومة التي ورّثت هذا الوضع -بعد نجاح الثورة الشعبية الظافرة- تدرك هذا تماماً، ولكنها لا تملك عصا سحرية تغيّر بها هذا الواقع المأزوم بين ليلة وضحاها؛ غير أن هذه الحكومة حكومة ثورة، وهي بهذا المعنى تملك رصيداً ضخماً من «الإرادة السحرية» القادرة على صنع المعجزات، لكن الحكومة لم تلجأ قط لاستغلال هذا الرصيد الذي يمكن أن يحيل قضية الإنقاذ الاقتصادي إلى ملحمة شعبية ينخرط فيها كل الشعب السوداني بالحماس نفسه الذي أدار به ثورته إذا لجأت الحكومة إليه واستعانت به لصنع المعجزة الاقتصادية!
يبدو أن الحديث المتطاول عن أن هذه الحكومة «حكومة تكنوقراط» أنساها أنها في المكان الأول «حكومة ثورة»، وأنها لها حاضنة شعبية «تسد عين الشمس»، وأن نجاحات الحكومة ستتوقف على مدى استفادتها من هذه الطاقة الشعبية، وذلك يتطلب أن تعيش الحكومة مع الجماهير ووسطها، ولا تتقوقع داخل أطر بيروقراطية وتستنفر الناس في كل لحظة.
أساس الأزمة الاقتصادية -بعد استشراء الفساد- هو ضعف الإنتاج والإنتاجية، وهذه معركة شعبية بامتياز..
ليعلن مجلس الوزراء عام 2020م عام الإنتاج والإنتاجية، ويدعو شباب الثورة ورجالها ونساءها إلى تحمّل المسؤولية في كل موقع -زراعياً كان أم صناعياً أم خدمياً- وأن يرفعوا رايات التضحية في سبيل هزيمة التحديات والمعوقات الموروثة.
والبداية العملية أن تتشكل لجنة شعبية مدعومة من الحكومة، مهمتها إنجاح الموسم الزراعي في عروته الصيفية، وأمامنا خمسة أشهر، وهو وقت كافٍ. وليساند مجلس الوزراء هذه اللجنة الشعبية بفريق عمل وزاري تكون مهمته توفير الاعتمادات المالية المطلوبة، وأن يوفّر القطاع الخاص المال المطلوب للزراعة التعاقدية، وأن توفر الحكومة النقد الأجنبي المطلوب لتوفير مدخلات الإنتاج من بذور محسّنة ومبيدات وسماد ومخصبات، وأن يضاعف المزارعون جهدهم، وأن يساهم الشباب بالأعمال اليدوية المطلوبة في مرحلتي التحضير والحصاد. إن مجرد الانخراط في مثل هذا النفير سيغيّر الواقع على الأرض ويخلق موجة عارمة من العزيمة والإصرار على مواجهة التحديات والانتصار عليها.
وما زلت أذكر واقعة مضى عليها أكثر من 70 عاماً؛ إذ وقعت في يناير من عام 1943م -وهو العام الذي التحقنا فيه بالسنة الأولى في كلية غوردون التذكارية (المدرسة الثانوية الوحيدة آنذاك في السودان)، إذ دعا «المستر لانق» -عميد الكلية البريطاني- كل الطلاب إلى اجتماع عام طارئ ذات صباح، ليبلغنا أن السودان حظى ذلك العام بمحصول قطن وفير؛ إذ بلغ إنتاجه حداً غير مسبوق، وإن رخاءً كثيراً ينتظر السودان إذا تم حصاد ذلك المحصول الكبير؛ لكن لسوء الحظ فإن العمالة التي كانت تفد من غرب السودان كل سنة لحصاد المحصول لن تحضر ذلك العام، لأن كل الشباب الذين كانوا يمثلون هذه العمالة قد تجنّدوا في قوة دفاع السودان ليخوضوا معارك الحرب العالمية الثانية (1939-1945) في شرق إفريقيا (إثيوبيا وإريتريا)، أو في شمال إفريقيا (ليبيا)؛ ولذلك فالمحصول مهدّد بالضياع. وعليه، فقد اجتمع أساتذة الكلية وقرروا أن يتطوّعوا هم وطلابهم بالسفر لمشروع الجزيرة والانخراط في حملة لجني القطن إنقاذاً لهذا المحصول الوطني المهم، وإن قطاراً خاصاً سيحملنا غداً إلى المسلمية، ومن هناك سنتوزع على (تفاتيش) الجزيرة، وكل أدوات الأكل والإقامة وكل العاملين في الداخليات سيسافرون معنا لتوفير الإعاشة لـ 550 طالباً، إضافة إلى الأساتذة والموظفين.
لقد كانت ملحمة لن ننساها، وخلّدتها قصائد أساتذتنا الشعراء: أستاذنا أحمد محمد صالح، وشيخ البنا، وشيخ عبدالله عبدالرحمن. ولاقت المبادرة استحساناً كبيراً، والأوضاع الآن مهيّأة لأعداد أكبر وأضخم تشارك في الملحمة، بعد أن تضاعف عدد الطلاب مئات المرات وزادت التحديات بالقدر نفسه.
لقد قصدت من هذا المقترح أن أؤكد على حقيقة مهمة، وهي أن مصدر قوة هذه الحكومة هو مدى التصاقها بجماهير الثورة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.