الأحد 28 جمادى الثانية / 23 فبراير 2020
06:58 ص بتوقيت الدوحة

الوحل الشامي والإصرار الروسي

الوحل الشامي والإصرار الروسي
الوحل الشامي والإصرار الروسي
حين أعلنت روسيا التدخل العسكري المباشر والعلني والصريح، بالوقوف بنفسها وقواتها وجنودها إلى جانب النظام السوري أواخر عام 2015، كان الأخير يترنح وتترنح معه كل الميليشيات الطائفية المدعومة إيرانياً، ولم يُسعفه إلا طيران مفاجئ لقائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني، ليلتقي يومها بالرئيس بوتن شخصياً شارحاً له الوضع الداخلي والأبعاد الإقليمية والدولية من وجهة نظره، فيما إذا سقط النظام السوري، وبالفعل أعلنت روسيا فوراً عن إرسال قواتها وطيرانها وكل ما تملك للوقوف إلى جانب الطاغية مجرم الحرب وكل حرب، ولكن مع اقتراب العام الرابع للغزو الروسي في سوريا، يبدو واضحاً أن الروس غارقون بالوحل السوري، على الرغم من الصورة التي قد تبدو للعيان بأنهم استعادوا كثيراً من الأرض، لكنها استعادة ظاهرية تجلى خداعها بانقلاب درعا عليهم وعلى مصالحاتهم.
مبدأ لافروف الذي وضعه مع بداية الثورة السورية، بأنه لا يمكن لأهل السنة أن يحكموا سوريا، وهو الذي قيّد الاستراتيجية الروسية كلها، وربطت حاضرها ومستقبلها وربما رهنت حتى ماضيها بالتعامل مع أقلية طائفية لم تسلك طوال عقود إلا مسلك القتل والإرهاب والإبادة لما سواها، وبالتالي يدفع الروس ثمناً باهظاً اليوم لتلك التصريحات، وسيظلون يدفعون، وليس أدلّ على ذلك مما يحصل لهم اليوم في حوران، حيث رعوا مصالحات، وسعوا إلى كسب الفيلق الخامس إلى صفوفهم، لتظهر الانتفاضة من جديد، وتعود إلى درعا ربما تكون أخطر وأقوى من بداياتها، والتي تطورت إلى مهاجمة قوات روسية بعد أن اقتصرت في السابق على القوات الأسدية والموالية لإيران، بالإضافة إلى حرق مقرات للنظام السوري، وكتابات على جدران حوران كلها مؤيدة للثورة ولصمود إدلب، ولم يقتصر الأمر على هذا كله، وإنما بدأت المظاهرات الشعبية العارمة ضد النظام وتأييداً لإدلب، وقد امتدت مظاهرات التعاطف إلى الرقة ودير الزور وغيرهما، ولا تزال كرة الثلج في بداياتها.
لكن الضربة الكبرى التي يتعرض لها المشروع الروسي أتت من العمليات المنسقة والمتصاعدة في ريف دمشق، بل وفي وسط العاصمة إما باغتيالات أو بمهاجمة مواقع ومقرات الميليشيات الروسية الممثلة بالنظام السوري، وإعلان سرايا قاسيون عن هذه العمليات يهدد بتصاعدها وتوسيع رقعتها، ولعل تذبذب الميليشيات الكردية بين ولائها للأميركيين والروس سيضع الأخيرة في وضع صعب، وهي التي أملت بأن تقرب بين هذه الميليشيات والنظام السوري، مما سيخفف عنها العبء المالي المتمثل بسيطرة الميليشيات الكردية على آبار النفط التي ستعود في حال التقارب مع النظام لصالح الأخير، ولكن كل هذا تبدد تماماً.
لعل الضربة السياسية الأهم اليوم هي فقدان كل أطياف المعارضة السياسية الثقة بالعملية السياسية التي رعاها الروس، فتبين لكل أطياف المعارضة أن طبخ الحصى الروسية يتواصل، وتتواصل معه عملية الخداع الاستراتيجي الروسي، من أجل نزع كل الأوراق العسكرية والسياسية للمعارضة بما فيها إدلب، فغدت اللعبة الروسية مكشوفة للمعارضة السياسية ولتركيا، التي سارت معها في مسار أستانة وسوتشي، ولكن التحرك الأخير بوصول الجيش الوطني السوري في شرق الفرات الخاضع لسيطرة أنقرة عملياً إلى مناطق إدلب للتصدي للحملة التركية سيجعل الموقف الروسي أكثر انكشافاً، وأشد فشلاً في قدرته على البقاء في سوريا، فهذا النظام لم يعد مقبولاً له أن يعيش في قلوب السوريين ولا في قلوب غيرهم، ولن يجرؤ زعيم دولي لديه بقية شرف أن يصافح طاغية مثل بشار الأسد، فلعبة إعادة بعث الأموات من قبورهم مستحيلة، بينما تواصل موسكو حفر مزيد من الحفرة الشامية التي وقعت فيها، متوهمة أن الحفر يُخرجها من ورطتها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.