الأحد 28 جمادى الثانية / 23 فبراير 2020
06:56 ص بتوقيت الدوحة

أتضعون العربة أمام الحصان؟!

أتضعون العربة أمام الحصان؟!
أتضعون العربة أمام الحصان؟!
كان الأسبوع الماضي «أسبوع الميزانية» في السودان، فقد ظلّ مجلس الوزراء مجتمعاً لساعات طويلة يوم الخميس؛ حتى يجيز ليلاً الميزانية في شكلها الأخير، وإجرائياً تبقّت خطوة واحدة هي إجازة المجلس التشريعي المؤقت للميزانية باعتبارها قانوناً واجب التنفيذ. لكن قبل أن تصل إلى مجلس السيادة الذي يكوّن الهيئة التشريعية مع مجلس الوزراء، كان يتعين على رئيس الوزراء أن يعرضها على قيادة قوى الحرية والتغيير، بصفتها التنظيم الذي شكّل الحكومة وأصبح الحاضن السياسي لها، ولم يكن رئيس الوزراء يتوقّع قبولاً للميزانية المقترحة أو ترحيباً بقرار رفع الدعم عن المحروقات، وقد كانت الإرهاصات واضحة في الحملة الشرسة التي شنّتها وسائل التواصل الاجتماعي حول الميزانية. وصحّ ما توقّعه رئيس الوزراء، فقد كان الاجتماع ساخناً ارتفعت خلاله الأصوات المعارضة، وانتهى بقرار يقضي بتجميد رفع الدعم عن المحروقات ريثما ينعقد مؤتمر اقتصادي شامل يبحث الأزمة الاقتصادية من جوانبها كافة، ويشارك فيه اقتصاديون من شتى المدارس الاقتصادية، ليقرر السياسة التي ينبغي أن تنتهجها الحكومة ويبحث مسألة رفع الدعم باعتبارها أحد المقترحات، ويفتي في أمر قبولها أو رفضها.
هذا التجميد انحاز للموقف المعارض لفكرة رفع الدعم قبل أن تُهيّأ الظروف لذلك؛ إذ كان منطق المعارضين أن الدعم يقرر في المكان الأول بسبب الخلل في الاقتصاد السوداني والتشوهات التي صاحبت مسار الاقتصاد، وبالتالي فإن الدعم جاء نتيجة لأزمة يعاني منها الاقتصاد، وإلغاؤه يقتضي بداية معالجة الأسباب الجذرية للخلل الاقتصادي.
المأزق الذي يواجه الحكومة هو أن مؤسسات المال الدولية -وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليين، وكذلك المانحون- تريد رفع الدعم فوراً، وقد يُفهم من تصريحاتهم أنهم يعتبرون رفع الدعم «شرطاً». والقرار بالتجميد جاء كحل وسط، فالاجتماع لم يرفض رفع الدعم بالمطلق، بل أجّل اتخاذ القرار إلى ما بعد انعقاد المؤتمر الاقتصادي، مما يعطي الجميع فرصة 3 أشهر لالتقاط الأنفاس ريثما ينعقد المؤتمر الاقتصادي، ويومها سيبرز من جديد الخلاف المؤجل.
مهما يكن من أمر، فإن قرار عقد مؤتمر اقتصادي قرار صائب، وكنّا نتوقعه كأول قرار يصدر من مجلس الوزراء بعد تكوينه جنباً إلى جنب مع القرار بتعجيل مفاوضات السلام؛ لأن الوضع الاقتصادي المتردّي لا يحتمل تأجيلاً، ولأن سوء الوضع الاقتصادي كان هو السبب المباشر في اندلاع الحراك الثوري؛ ولأن توقعات جموع الشعب لحلول عاجلة لأزمتهم المعيشية قد تصاعدت بعد انتصار الثورة، غير أن الحديث الرسمي عن أي برنامج اقتصادي إسعافي قد انحسر كثيراً، رغم أن الموقف المعيشي يتردى من يوم إلى آخر.
المؤتمر الاقتصادي مهم بحد ذاته، وليس فقط لمعالجة الخلاف حول الدعم. وليس من المعقول أن يعطى كل هذا الزخم لرفع الدعم بدلاً من أن يعطى للأزمة المعيشية وللعلاج الاقتصادي الشامل ولمشاريع زيادة الإنتاج والإنتاجية وتشغيل الطاقات المعطلة وزيادة موارد البلاد المالية بزيادة الإنتاج والتصدير والتصنيع وردم الفجوة بين الصادرات والواردات، مما ينعكس إيجاباً على ميزان النقد الأجنبي وارتفاع قيمة الجنيه السوداني. الدعم فُرض لأسباب اقتصادية موضوعية ولا يمكن سحبه قبل أن تعالج تلك الأسباب الموضوعية التي فرضته، إلا إذا كنا مصممين على وضع العربة أمام الحصان!
المؤتمر الاقتصادي يمكن أن يعالج كل هذه الأمور وغيرها، ويرسم خريطة طريق واضحة المعالم للإنقاذ الاقتصادي، عبر خطط عاجلة قصيرة المدى ذات طبيعة إسعافية وأخرى بعيدة المدى، ثم تتم إعادة النظر والمراجعة حسبما يتحقق على أرض الواقع. لقد كنا نتوقّع عقد المؤتمر الاقتصادي ووضع هذه الخطط قبل اجتماع «أصدقاء السودان»، الذي انعقد مؤخراً في الخرطوم. والأصل في الأشياء أن تأتي مقترحات الحل من «أهل الوجعة»، ثم يأتي الأصدقاء للمساعدة، ولو كنا فعلنا ذلك لما انتهى مؤتمر الأصدقاء بقرار تأجيل مساعدتهم لشهر أبريل المقبل حتى يستبينوا مسار الاقتصاد السوداني!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.