الإثنين 24 جمادى الأولى / 20 يناير 2020
07:05 ص بتوقيت الدوحة

«العرب» تفتح خزانة ذكريات الابن الثالث للفنان مقبول فداء حسين

«بيكاسو الهند».. مسيرة فنية فريدة تجسّد معانيها بـ«سيروا في الأرض» بمؤسسة قطر

الدوحة - العرب

الأربعاء، 11 ديسمبر 2019
«بيكاسو الهند».. مسيرة فنية فريدة تجسّد معانيها بـ«سيروا في الأرض» بمؤسسة قطر
«بيكاسو الهند».. مسيرة فنية فريدة تجسّد معانيها بـ«سيروا في الأرض» بمؤسسة قطر
هو «بيكاسو الهند».. مثّل أيقونة فريدة من نوعها في تاريخ الفن العالمي، لارتباط لوحاته بتاريخ الثقافات وفلسفة الديانات في الهند، تجاوزت لوحاته المكتملة 40 ألف لوحة، أنجزها خلال مسيرته الفنية التي امتدت لما يقارب 75 عاماً، مقبول فداء حسين، الفنان الهندي، الذي حرصت مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، على أن تقيم له أكثر من معرض فني، ليتعرف سكان قطر ومحبي لوحات الفنان الهندي على مسيرته عن قرب. «» كان لها لقاء مع ابن الفنان الهندي، للتعرف على حياته العائلية، وكيف أثر محيطه على مسيرته الفنية، فانعكست بلوحات خُلدت في تاريخ الفن، الابن مصطفى حسين، هو الثالث للفنان مقبول فداء حسين، وهو منتج ومصور سينمائي.
يؤكد مصطفى حسين على أن حياة والده استمرت على الشكل نفسه حتى الساعات الأخيرة من حياته، لدرجة أنه قبل خروجه من المستشفى ووفاته بسويعات كان يتحدث عن أعماله، وتناول أحد الأطباق المحببة إليه.
ويشير مصطفى -أحد الأبناء الستة للفنان الهندي- إلى أن عمل حسين الأخير «سيروا في الأرض»، والذي سيتم الكشف عنه في المدينة التعليمية بمؤسسة قطر، يجسد حياة والده، والتي تذخر بكثير من التجارب الفنية والأبوية، لافتاً إلى أن والده يمثل أبوة فريدة.
ويفتح الابن الثالث للفنان الهندي خزينة ذكرياته مع والده، وهي الخزينة المليئة بكثير من المواقف المؤثرة، التي تتطرق «العرب» لبعض منها في
هذا الحوار.

كيف كانت الأيام الأخيرة في حياة الفنان مقبول فداء حسين؟
■ لقد عاش يومه الأخير كما عاش كل يوم من حياته، فقد احتفظ بما هو قيّم بالنسبة له، وترك ما لا يهمه يمضي بعيداً، وهكذا كان حال جميع الأيام الأخيرة من حياة والدي، قبل أن ينقل في عام 2011 إلى المستشفى خلال رحلته الصيفية السنوية إلى لندن.
قبل أسبوع من تاريخ 9 يونيو عام 2011، دخل والدي إلى المستشفى بسبب اضطراب في معدته، وقد سافر بعض منا إلى لندن ليكونوا معه، وعندما دخلنا لزيارته، أصرّ على تناول طبق لديه مكانة خاصة في قلبه، وهو الزردة، وهو طبق من الأرز الحلو المصنوع من الزعفران، وأراد أن يتم تحضيره كما اعتادت والدتي أن تعدّه، عندما كنا في مومباي وطننا.

هل كان يمارس طقوس يومه العادية حتى الأيام الأخيرة في حياته؟
■ نعم.. في ذلك المساء، قمت أنا بإعداد تلك الحلوى «الزردة» وتقديمها له، تناول والدي بضع لقيمات، مستمتعاً بكل واحدة منها، وكان هذا هو الشيء الوحيد الذي احتفظ به في معدته طوال اليوم، حيث لم يتمكن من تناول أي شيء آخر.
تلك الليلة، تجاذبنا أطراف الحديث طوال الليل، وناقشنا خططه المستقبلية ومعارضه، بدا الأمر كما لو كنا نتحدث حول مائدة الطعام في منزلنا في مومباي خلال الستينيات من القرن الماضي، وفي منتصف الليل، أصدرت إدارة المستشفى قراراً بوجوب المغادرة، وبعد حوالي نصف ساعة من مغادرتنا توفي والدي، وحتى تلك اللحظة الأخيرة، كان والدي هو الشخص الذي عرفناه طوال حياتنا.

كيف ترى معرض «وسيروا في الأرض» الذي سيتم الكشف عنه قريباً في المدينة التعليمية بمؤسسة قطر؟
■ المعرض يجسّد حياة والدي، وهذه العبارة القرآنية تترجم بمعنى «السفر أو السير عبر الأرض»، وهي تشير إلى أهمية استكشاف ثقافات متنوعة لأراضٍ ودول وشعوب وخبرات مختلفة، وتدعو الجميع لفهم وتقدير العالم، وبالتالي فهم الخالق الله الذي صنع كل واحد منّا.
لقد سافر والدي عبر الحياة بطريقة لم يتمكن إلا قلة من الناس القيام بها، دون أن يحملوا أي ضغينة ضد أي شخص، وهو ما أؤمن أنه السبب وراء تمكنه من إفراغ الإبداع على قماشة.

ما أبرز الدروس التي استقاها الأبناء من الحياة بقرب الفنان العظيم مقبول فداء حسين؟
■ لقد كان يذكّرنا دائماً بأن الحياة وجدت كي نستمتع بها، وأن الضغائن والأحقاد هي مشاعر سلبية تمنعنا من أن نعيش الحياة كما يفترض بنا أن نعيشها بحماس واندفاع، لقد كان هذا أكبر درس علمنا إياه كأبنائه، أن نتخلى عن السلبية ونسير في الحياة بقلب نظيف.
تجارب بسيطة في طفولتنا في منزل صغير مكون من غرفة واحدة على طريق جرانت في حي بدر باوج في مومباي، ولكنها كبيرة في حياتنا، وكان الوالد يسافر كثيراً، الأمر الذي جعلنا -نحن أطفاله الستة- نتطلع إلى الوقت الذي يقضيه معنا في المنزل.
تجارب بسيطة بمعانٍ كبيرة في حياتكم.. هي تجربة أبوة فريدة.. حدِّثنا عنها؟
■ نعم.. لقد كان له أسلوب فريد في الأبوة، فعندما كان يعود إلى المنزل، كان يقصد قضاء يوم مع كل واحد منا، على حدة، كان يأخذنا في نزهة إلى مطعم ما أو حديقة، وخلال تلك الساعات القليلة، تتغير أدوارنا، فلا نعد أبناءه ولا يعد والدنا، بل نصبح أصدقاء، نخبره عما يجري في حياتنا، وعما تعلمناه في المدرسة، وعن أي خلاف أو نزاع حصل بيننا وبين أصدقائنا، كما كان يخبرنا عن العمل الذي قام به، والأشخاص الذين التقى بهم خلال رحلته.
اليوم، وبصفتي والدًا، أقدر أنه لم يستخف أبدًا بتجاربنا باعتبارها بلا أهمية مقارنة بتجاربه، حيث بدا أنه يفهم أن ما مررنا به، من أفراح أو أحزان، واللذين كانا جزءًا من النمو، كان بنفس أهمية ما واجهه كفنان.

الفنان الهندي ذو التجربة الفنية الفريدة والمسيرة العظيمة، كيف أثرت مسيرته عليكم كأبناء؟
■ كانت مهارات والدي كفنان ورسام في معظمها عصامية، فبالنسبة له، الرغبة في المعرفة كانت الخطوة الأولى للتعلّم، ولمعرفة ما الذي يريده أي إنسان من الحياة، المعرفة التي اكتسبها خلال حياته نتجت عن اهتمامه بهذه المعرفة، وقد تمنى أن يحمل أبناءه منهج التعلّم نفسه، وهو أمر، أدى إلى لحظة لا تزال حية في ذهنه.
وأثناء دراستي في المرحلة الابتدائية، كنت أتصفح كتاباً مدرسياً في المنزل، عندما تقدم إليّ والدي وسألني عما أقرأ، فأجبته أني لا أملك أدنى فكرة عن مضمون الكتاب.
حينها، شعر والدي بالانزعاج، وأخبرني أنني إذا لم أبذل أي جهد لمعرفة سبب تعلم شيء ما، فلا فائدة من تعليمي. وقد كان ذلك درساً استفدت منه، منذ ذلك الحين -وحتى هذه اللحظة- جعلت هدفي أن أعرف سبب تعلم أي مهارة أو معرفة أي معلومات، ومدى فائدتها بالنسبة لي.
فبعد أن اتبع والدي قلبه وأصبح فناناً، ومرّ بلحظات فرح ومصاعب كثيرة، شجّعنا على الوثوق بغرائزنا، وبالنسبة لي، دفعني هذا أن أدرس صناعة الأفلام، وعندما أتيحت الفرصة لي بأن أعمل مع المخرج الهندي الشهير شانتي تشودري في كولكاتا في عام 1972، شجعني الوالد على القيام بذلك، وبالصدفة، كان الفيلم عن والدي تحت عنوان: «رسام عصرنا».

كيف ترى تأثير رحلة صعود الفنان مقبول حسين عليه؟
■ والدي يمثل «روحاً حرة وبريئة»، فرحلة صعوده إلى الشهرة بدأت في عام 1950، لم تغيّر نظرته إلى الحياة، لم يكن الحساب المصرفي أو الأحذية الأنيقة على قائمة أولوياته في الحياة، وقد سافر حول الأرض من دون أن يمتلك أي منهما، كان يمشي مسافة 30 كم ذهاباً وإياباً من العمل؛ لأنه لم يكن قادراً على تحمل تكلفة أية وسيلة نقل.
عاش والدي حياته كطفل، روح حرة، وثقة بالنفس، وقد شكلت براءته نظرته إلى العالم، وهي سمة تجعله يتصرف في بعض الأحيان بشكل متهوّر، ولم يكن يشعر بالذنب من أية تداعيات لأفعاله على الآخرين.
ما زلت أذكر تعابير الدهشة والحيرة على وجهه عندما أدرك أنه، في بعض الأحيان، لا يمكن للناس من حوله أن يفهموا فكرة ما شاركها معهم للتو، وأنهم كانوا متشككين، هذا لأنه كان يفكّر كما كان يرسم، بجرأة ووضوح، بالنسبة له، الحياة لم تكن أبداً معقّدة، إذا واجهت موقفاً صعباً، فسيكون هناك حلول متعددة له.

عاشق العلم الذي نقل رسومه لأرياف الهند
عن تأثير المسيرة الفنية على حياة الفنان الهندي مقبول حسين، يقول ابنه مصطفى: عاش والدي بالطريقة نفسها التي كان يرسم فيها، عبر الانغماس في التجارب، وهو ما مكّنه من رؤية الفرص في كل مكان، عندما أفكر في والدي، أرى الفنان الذي كان ينهض من فراشه ليلاً؛ لأنه استيقظ مع فكرة لم يتمكن من الانتظار حتى الصباح قبل أن يجسدها على القماش. فهو الرسام الذي نقل لوحاته إلى المناطق الريفية؛ لأنه أراد أن يستمتع القرويون بأعماله الفنية تماماً كما يفعل سكان المدينة، وهو المخرج الذي أنتج وأخرج الأفلام؛ لأنه ببساطة كان يستمتع بذلك.
كما أتذكر عاشق العلم الذي كان صديقاً لعلماء الفيزياء الذرية والبيولوجيا الجزيئية؛ لأنه كان مفتوناً بما يقومون به، وعاشق الطعام الذي كان يستمتع بطبق الـ «باف» والـ « كيما» -وهو خبز ولحم مفروم- وكوب من الشاي، في أحد مقاهي مومباي.

الفنان الذي مدّ لوحاته على الشوارع
ومسارات الترام
أكد مصطفى حسين في حديثه لـ «العرب» أن الكثير من الذكريات تربطه بوالده، وأن المشهد الذي لا يفارق مخيلته، يعود إلى الأيام التي كان فيها صبياً صغيراً في المنزل الصغير الكائن في شارع جرانت، فيقول ابن الفنان الهندي مقبول حسين: في تلك المرحلة، صمم والدي إعلانات الأفلام ورسم لوحات عملاقة، حيث كان يسعى إلى إثبات نفسه كفنان، وفي ظهيرة يوم من الأيام، قام بسحب قماشة ضخمة إلى داخل المنزل حيث كان يسعى إلى إكمال لوحة وجب تسليمها في اليوم التالي، ليكتشف أنه لن يستطيع مدّها في الغرفة الصغيرة، وكالعادة، وجد حلاً لذلك. وأضاف: كان الحل إبداعياً كما كانت حياة والدي دائماً، فخدمة الترام المحلي تنتهي في منتصف الليل، وتستأنف العمل الساعة الخامسة صباحاً، هذا يعني، أنه لمدة خمس ساعات كل ليلة، تكون الطرق خالية من حركة المرور، وكان ذلك كافياً لوالدي لينفذ الحل، فقام بمدّ تلك الأقمشة العملاقة عبر الشارع الصغير وعلى مسارات الترام، وبدأ الرسم. أتذكر أنني كنت واقفاً على الرصيف، حافي القدمين، أراقب آثار فرشاته الجريئة والثابتة، حيث ظهرت رموز متناسقة تحت لون أضواء الشوارع الأصفر والشاحب، لم تكن هذه هي المرة الأخيرة التي رسم فيها والدي لوحاته بهذه الطريقة، بل أصبح ذلك روتيناً، حيث بات ينهي لوحة كاملة قبل بزوغ الفجر.. لم يقف أي شيء أمام والدي، لقد استمر بالمضي قدماً.

من «عاديات الشمس» إلى «سيروا في الأرض».. قطر تحيي مسيرة الفنان الهندي
معرض «سيروا في الأرض» ليس الأول في قطر الذي يتطرق لمسيرة الفنان الهندي مقبول فداء حسين، فقد أقيم من قَبلُ معرض «عاديات الشمس» الذي أقيم في المتحف العربي للفن الحديث، الواقع في المدينة التعليمية في حرم مؤسسة قطر، وضم المعرض أكثر من مئة عمل للفنان مقبول فدا حسين، تنوعت بين اللوحات الفنية، والرسومات، وأعمال النسيج، والأفلام، وهي أعمال مستعارة من مجموعات مؤسسة قطر، ومتاحف قطر، ومجموعات فنية خاصة من منطقة الخليج، وغيرها من أماكن العالم. ويعد حسين واحداً من أبرز الشخصيات المؤثرة في فن الحداثة بالهند، حيث كان أحد مؤسسي «مجموعة الفنانين التقدميين» في بومباي عام 1947، كما اضطلع بدور رائد بإحداث ثورة في عالم الفن بوطنه الأم من خلال ابتعاده عن أشكال الفن السائدة، المتمثلة في الرسم الأكاديمي، وعن التعلق بفن المنمنمات الهندية التقليدية.
الفنان الهندي الشهير -الذي عاش سنواته الأخيرة في الدوحة- تأثر بالأحداث التي عاصرها طوال حياته التي امتدت لخمسة وتسعين عاماً، منها الحرب العالمية الأولى، والثانية، والحرب الباردة، كما كان شاهداً على الصراعات التي دارت رحاها في الجزائر، وفيتنام، وجنوب آسيا، وحروب غرب آسيا، وجميعها كانت مصادر إلهام له، وظهرت غالبيتها على لوحاته.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.