السبت 27 جمادى الثانية / 22 فبراير 2020
01:22 م بتوقيت الدوحة

أحوال الفكر الثلاثة

أحوال الفكر الثلاثة
أحوال الفكر الثلاثة
لقد أعجز التفكر في مكنون العقل كل من أراد إلى ذلك سبيلاً، فلم يُحِط أحد بكنهه ولا بمنتهى قدرته، وقد سار في ذلك المضمار نفر من المتكلمين والفلاسفة، حتى بلغ الحديث عنه والتنظير له مبلغاً ما كاد أن يُعجب به من صاغه، وينتشي له من ابتدعه، حتى وجد نفسه لم يبرح واقفاً على شاطئه يغمس مروده في وشل محيطه، لا يلوي على شيء من علمه، بل التبس على بعضهم كنهه ومكان انعقاده، فمنهم من نسبه للمادة الموجودة في تجويف الرأس، ومنهم من ادعى أنه في مكان ما خارجه، لا شك أن ذلك الشيء وإن كان صغيراً في جرمه فهو عجيب في أمره، وأعجب ما يكون في قدرته على التعلم والتدبر والاستنباط واسترجاع الحوادث بصورها وشخوصها وأحاديثها، فضلاً عن تخيل ما لم يحدث، فسبحان الخالق المصور.
والفكر ثمرة العقل، وهو يتقلب في ثلاثة أحوال أشرفها وأنفعها للمرء في حاله ومآله، هو الانشغال بالتفكر والأفكار، ومنها حال التفكر في الكائنات والجمادات تفكراً يورث حكمة وعلماً، ويوصل إلى العبقرية والإبداع، فإن كان من أهل الإيمان ألهمه ذلك دعوة لا ترد، قال تعالى في سورة آل عمران: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)»، ثم تلا ذلك التفكر والإقرار بعظمة الخالق آيات تعلمنا حسن الدعاء، كما قال تعالى: «رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا * رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ * إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)»، وبعد تلك الآيات التي اتسمت بالتذلل والتضرع إلى الله، جاءت الاستجابة في قوله تعالى: «فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ * بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ».
وكما تقدم عن أن تلك الحالة من الفكر تورث حكمة وعلماً، فإن الحكمة ضد السفه ومعناها وضع الشيء في مكانه الحق، ‏ومعين الحكمة ما نزل من السماء على الأنبياء، ووعاؤها إمعان النظر ‏في الأسباب لكشف شيء ‏من حكمة المسبب فَتُوهَبُ بأمر الله، وذلك واللهِ خير كثير، قال تعالى: «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ * وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا * وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)». وأما العلم فهو طريق الإحاطة ‏بأسماء الأشياء والكشف التجريبي عن مكنوناتها، قال تعالى في سورة البقرة الآية 31: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ».
‏وأوسط أحوال الفكر هو الانشغال ‏بالأخبار على أنواعها وأهميتها، وذلك الغالب في مجالس الناس ولا بأس في ذلك، بل إن بعض تلك الأخبار مرتبط بمعايش الناس، والعلم به خير من الجهل إذا ما قدر بقدره وأخذ من مصادره، وقد كثرت في زماننا وسائله، وغلب غثّه سمينه حتى لم يعد يعرف صحيحه من كذبه، وأصبح مضيعة للأوقات والطاقات، فضلًا عن إشاعة ما لم يصحّ من الأنباء التي تنتشر انتشار النار في الهشيم بلا حدود ‏ولا قيود، حتى لتجد التافه من الناس يتحدث في الشأن العام ويقتفي ما ليس له به علم.
وأدناها وهي الحال الثالثة للفكر هو الانشغال بالأغيار، والمقصود به الانشغال بالآخرين، حيث لا يجاوز الفكر خاصة الناس، وذلك قد يفضي إلى الغيبة والنميمة التي تورث الشحناء والبغضاء والحقد والحسد، وفي ذلك فساد الدين والدنيا، فضلاً عن غضب الله سبحانه وتعالى، فلا ينشغل بالناس إلا جاهل بنفسه وحكمة وجوده، خلا جرابه من العلم وتكاسل عن العمل فسيّر فضول وقته فيما لا ينفع.
وبذلك نخلص إلى أن أصحاب التفكر والتدبر هم خلفاء الله في الأرض، وأقدر على عمارتها، يصنعون الحدث ويساهمون في نهضة البشرية وتطورها وينشرون العلم والحكمة، فهم على قلة عددهم مؤثرون في مسيرة الأمم، فلا يخلو من ذكرهم ديوان تاريخٍ مضى، ولا كتاب حاضرٍ نعيشه، ولا صفحات مستقبلٍ نؤمله ونستشرفه، فإن وجدت أمة متخلفة عن باقي الأمم فاعلم أنها لا تقيم للفكر وزناً.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا