الإثنين 12 شعبان / 06 أبريل 2020
01:12 ص بتوقيت الدوحة

روح التعصب (1-2)

إيان بوروما

الأربعاء، 23 أكتوبر 2019
روح التعصب (1-2)
روح التعصب (1-2)
ذات يوم، أعرب لي السياسي البريطاني الراحل ألان كلارك من عصر مارجريت تاتشر والمعروف أساساً بملاحقته للنساء وآرائه اليمينية المتشددة، عن امتعاضه الشديد بسبب انحدار الروح القتالية البريطانية التي بنت الإمبراطوريات وانتصرت في الحروب، اقترحت نصف مازح أن هذه النزعة العدوانية لا تزال قائمة بين مثيري الشغب المتعصبين من مشجعي كرة القدم البريطانيين الذين ينهبون الملاعب والمدن الأجنبية، فأجابني بنظرة حالمة في عينيه قائلاً، إن ذلك شيء «ربما يمكن استغلاله بشكل مفيد حقاً».
الواقع أن ما بدا ذميماً تافهاً في ذلك الحين، أصبح الآن حقيقياً إلى حد مؤلم، ذلك أن روح التعصب تستغل الآن حقاً، ففي المملكة المتحدة يتزايد الإرهاب اليميني -حتى مع انحسار باقي أشكال العنف الأخرى على الأقل في الوقت الحالي- وقد تلقى الساسة البريطانيون الذين يعارضون خروج المملكة المتحدة المتسرع من الاتحاد الأوروبي دون التوصل إلى اتفاق تهديدات بالقتل، أو ما هو أسوأ، في عام 2016، قُتِلَت جو كوكس عضو البرلمان عن حزب العمال والمناهضة الصريحة للخروج من الاتحاد الأوروبي، على يد رجل صرخ قائلاً: «بريطانيا أولاً!» وهو يطلق عليها النار ويطعنها عدة مرات.
وبريطانيا ليست فريدة من نوعها في هذا الصدد، ففي الولايات المتحدة، عاثت الجماعات اليمينية المتطرفة فساداً في أماكن مثل شارلوتسفيل وبيتسبيرج، وكانت ترافقها صرخات قتال مثل «اليهود لن يحلوا محلنا» -الضمير «نا» هنا يعود على المسيحيين من ذوي البشرة البيضاء- .. وحتى في ألمانيا، يسجل التطرف العنيف تصاعداً مستمراً، وخاصة في المناطق التي كانت جزءاً من ألمانيا الشرقية الشيوعية سابقاً، وفي الهند، أظهر رئيس الوزراء ناريندرا مودي عدم الاكتراث -في أفضل تقدير- إزاء أعمال العنف السياسي التي يزاولها متطرفون هندوس، والموجهة غالباً ضد مسلمين. الواقع أن الحكام المستبدين وزعماء الدهماء كانوا يستغلون دوماً مشاعر السخط والاستياء التي تستحوذ على الأشخاص الذين يشعرون بأن الحياة أساءت معاملتهم، ينجذب بعض الناس بطبيعتهم للعنف، ولا يتطلب الأمر سوى توفر الظروف المناسبة لكي يطلق هؤلاء العنان لمثل هذه الأفعال الغريزية.
تحفز التكنولوجيا أيضاً بعض هذا العنف، فالآن بات من الممكن التعبير صراحة عن مشاعر الكراهية والعداء التي كانت مستترة ذات يوم أو محصورة في ملاعب كرة القدم، ونشرها في التوّ والحال إلى الملايين من أصحاب الفكر المتشابه عن طريق الإنترنت، ولا يقتصر هذا النوع من السلوك الغوغائي على اليمين المتطرف، فمن الممكن أن تندلع أعمال العدوان من قبل مدعي الفضيلة على اليسار أيضا.
الأمر المزعج بشكل خاص حول زيادة العنف السياسي في دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة، هو أن القادة المنتخبين ديمقراطياً يشجعونه بنشاط، فنجد الرئيس دونالد ترمب يصف الصحافة بأنها «عدو الشعب»، ويحث المؤيدين على التعامل بعنف مع المنتقدين في أحد تجمعاته الحاشدة، ويقول لأربع من نائبات الكونجرس من ذوي البشرة الملونة بالعودة إلى حيث أتين -جميعهن عدا واحدة ولدن في الولايات المتحدة- ومؤخراً، هدد ترمب بشكل غير مباشر بالانتقام العنيف ضد المبلغين المجهولين الذين كشفوا عن جهوده لإقناع الزعيم الأوكراني بالتنقيب عن معلومات من شأنها أن تلحق الضرر بنائب الرئيس السابق جو بايدن، وهو أحد المرشحين الرئيسيين الذين يتحدونه في انتخابات 2020..
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.