الثلاثاء 21 ربيع الأول / 19 نوفمبر 2019
11:11 ص بتوقيت الدوحة

الدولة المتفسخة

الدولة المتفسخة
الدولة المتفسخة
‏جراحات الأوطان كجراحات الأبدان، فبقاء جروح الأشخاص دون تعقيم ومعالجة يفضي إلى تقيّح وتقرح وتعميل وانتقال الجرح إلى أماكن أخرى من الجسم حتى يهدده بكليته، وبقدر تأخير المعالجة تكون التداعيات. ما يجري اليوم في سوريا هو تماماً ما يحصل للجروح في الأجساد، فلم تدع الدول الجرح السوري المفتوح وحده يتقيح وإنما تدخلت سلبياً فزادته تقيحاً وتقرحاً، وهو ما هدد البلد كله، وبات يهدد الجوار الإقليمي، وحتى العالم برمته، بهجرات ضخمة، وبتداعيات الحدث السوري، وربما بتهديدات ستظهر تجلياتها لاحقاً ما دام الكل يصرّ على دفن التداعيات تحت السجادة، بذريعة تشكيل أجسام سياسية لتوهم وتخدع السوري وغيره بأن ثمة طبخة على النار، بينما في الحقيقة هي طبخة حصى، وبحث عن سراب، وحرث في البحر، إن كان على مستوى هيئة التفاوض التي ابتلعها وفد الأستانة، لتقوم لجنة الدستور بابتلاع الاثنتين.
‏في هذه الحلقات الأربع نحاول رسم صورة عن مدى تفسّخ الدولة السورية داخلياً وإقليمياً وخارجياً، ونبدأها من تفسخ الدولة عسكرياً وأمنياً، بعد أن غدا الاحتلال بأشكاله المختلفة أقرب ما يكون إلى متعهد للفرق العسكرية والأجهزة الأمنية النظامية، مما استلزم الاشتباك والاقتتال بين المتعهدين والمشغلين أنفسهم، تجلى ذلك بوضوح في حجم الاغتيالات التي تجري بشكل شبه يومي في الجزيرة السورية، أو في الشمال السوري، بين أجهزة أمنية تابعة للقوات الإيرانية والقوات الروسية، بعد أن سعى الأخير إلى مزاحمة الإيراني على وجوده في الجنوب، عبر تشكيله الفيلق الخامس من بقايا قوات الجيش الحر الذي صالح الروس، ولكن هذا الفيلق يواجه عقبات كبيرة إن كان بنظرة الإيراني المعادية له لخلفية مقاتليه الثورية سابقاً حين قاتلت النظام، وثانياً لأن متعهده ومشغله هو الروسي الذي ينافسه على النفوذ في الداخل والخارج.
‏في دير الزور ثمة متعهدون آخرون، فالأميركي وعبر قوات سوريا الديمقراطية، وربما جهات ثورية أخرى، يقوم باغتيال وتصفية رموز عسكرية وأمنية إيرانية وميليشياوية، يترافق ذلك مع غارات أميركية على القوات الإيرانية لتجاوزها مناطق جغرافية، يراها الأميركي ضمن حرمه وحرم ميليشياته الكردية، وفي الغوطة اليوم عودة قوية لأجواء 2011 و 2012؛ إذ إن معظم الشباب الذين صدّقوا المصالحات الروسية لجؤوا اليوم إلى البساتين والبراري هرباً من دعوتها مجدداً للقتال في صفوف النظام، وهو ما يخالف ما تم الاتفاق عليه، فضلاً عن اعتقالات واسعة النطاق لمن هو دون الخامسة والخمسين أو سوقه إلى المحرقة في إدلب وغيرها من المناطق التي لا تزال مشتعلة على النظام والاحتلال.
‏لم يعد هناك نظام يضبط الأمن العسكري، فهناك ميليشيات وفيالق ومجموعات تتقاتل فيما بينها على النفوذ الاقتصادي والجغرافي، فلا يخفى أن الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد تتبع الإيراني، بينما يتبع سهيل الحسن وميليشياته الاحتلال الروسي، ولم نعد منذ فترة طويلة نسمع عن وزير الدفاع السوري ولا عن ناطقه الرسمي، ما دامت قاعدة حميميم قد كفتنا وكفته مؤونة الظهور له، ومؤونة الانتظار لنا، وقلما يمرّ يوم لا نسمع فيه قتالاً بين ميليشيات فاطميين وزينبيين، والعصائب، وحزب الله، وغيرها من الميليشيات الطائفية التي تُدار برؤوس متعددة لا علاقة للنظام بها، ولا علاقة لها بالنظام. ‏الأجهزة الأمنية التي فقدت أخطر وأهم خبراتها الإجرامية خلال أيام الثورة المستمرة منذ ثماني سنوات، تواجه اليوم مأزقاً حقيقياً، فكثرة التنقلات والتحركات داخلها، بالإضافة إلى ولاء هذه الأجهزة اليوم لمشغلها الإيراني والروسي، جعل البلد يُدار برؤوس عسكرية وأمنية متعددة، وبأكثر من عقيدة عسكرية وأمنية، الأمر الذي يفقدها عقل الدولة الواحد، مما زاد من حالة التفسخ والتعفن الذي أزكمت رائحته الأنوف، وأول ما أزكمته الحزام الموالي للعصابة نفسه، عبر تحركاتها الشعبية، ومطالبة الجنود المقاتلين بالتسريح، بعد طول قتال لا يبدو في الأفق له حلٌّ أو نهاية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.