الخميس 16 ربيع الأول / 14 نوفمبر 2019
05:12 ص بتوقيت الدوحة

المسافة بين التقدّم والتخلّف!

المسافة بين التقدّم والتخلّف!
المسافة بين التقدّم والتخلّف!
لا يختلف اثنان على أن الأمة العربية تعيش اليوم واحدة من أصعب الفترات التي مرّت بها عبر التاريخ، حتى باتت تتذيل قائمة الدول في خريطة الكون الاجتماعية والإنسانية والبشرية والعلمية والتربوية والحضارية، ورغم أن ثبات هذا الوصف على حال أمتنا العربية خلال العقود الأخيرة السابقة يقلل من هالة هذا الوصف فإن لغة الأرقام تقرّ بهذا الحال البائس، فهل تعلمون -يا رعاكم الله- أن هناك 57 مليون عربي لا يعرفون القراءة والكتابة، وأكثر من 30 مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر، كما أن كلفة الفساد عند العرب أكثر من تريليون دولار، و5 دول عربية في قائمة العشر دول الأكثر فساداً في العالم، وأن 75 % من لاجئي العالم عرب! وحوالي 68% من وفيات الحروب عالمياً هم عرب أيضاً! ومن عام 2011 حتى 2017 تم تشريد 14 مليون عربي، فهل هذا يكفي؟

لا أريد أن أتطرق إلى ملايين القتلى والجرحى والمشردين من العرب، ولا إلى خسارة مئات المليارات في الناتج المحلي لاقتصاداتهم، ولا إلى أرقام البطالة المتضخمة ولا لبؤس الإنفاق على البحث العلمي، ولا لمعدلات الجريمة وكمية الجهل والتخلف التي تحيط بنا، فعندما نقارن حال العرب مع الغرب نرى كم هو مؤسف ما وصلنا إليه، هذا المشهد لا يفيد معه مليون مقال عن الماضي الغابر والمجيد، وعن حضارة مغروسة بعمق التاريخ 7 آلاف أو 8 آلاف سنة! فكل ذلك يبقى كلاماً فارغاً لا معنى له في ظل التخلف الحضاري والفكري الذي نعاني منه.

قد يسأل سائل: كم من الوقت يلزم بلداً من البلدان كي يثب من براثن التخلف إلى مصاف الدول المتقدمة؟ وربما يجيب أحدهم بالقول: سنغافورة تقدم أجوبة حبلى بالعبر عن هذا السؤال الجدلي، رغم أن أي قارئ لتاريخ سنغافورة يجد أنها بقيت ردحاً من الزمن موطناً للعاطلين عن العمل زمن الاحتلال البريطاني، وبسبب فقرها وانقسامها الإثني وندرة مواردها تم طردها من الاتحاد الماليزي عام 1965.

وأزيدكم من الشعر بيتاً، كانت سنغافورة بلداً متخلفاً مع مستويات عالية من البطالة، إذ كان يعيش 70 % من شعبها في مناطق مزدحمة ضيقة، وبأوضاع غاية في السوء، وكان ثلث شعبها يفترشون الأرض في أحياء فقيرة على أطراف المدينة، وكان الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد أقل من 320 دولاراً أميركياً، وكان نصف السكان من الأميين.

لكنها حكمة الله، فقد وهب تلك الجزيرة زعيماً مثل «لي كوان يو» الذي آمن بصناعة نموذج آسيوي لمرحلة ما بعد الاستعمار، فاستثمر في «الإنسان» وحوّل أرضه من بقعة صغيرة تعتاش على القاعدة العسكرية البريطانية، إلى دولة من أنجح الدول في التاريخ الحديث، بل من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، وقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد بنسبة لا تصدق، إذ وصل إلى 60 ألف دولار أميركي، مما جعلها سادس أكبر معدل للناتج المحلي للفرد في العالم.

إن المسافة الزمنية بين التخلف والتقدم ليست قروناً بالضرورة، كما أن الاستعمار ليس مشجباً على الدوام، لتعليق إخفاقات الحاضر على واقع أمتنا العربية.

أيُّها العرب، سنغافورة تحولت من شيء منبوذ مليء بالبطالة والفقر، إلى مارد اقتصادي عملاق يحسب له ألف حساب، له وزنه وقيمته على المستوى الدولي، وإن أردتم معرفة سرّ النجاح فالإجابة ببساطة يمكن استخلاصها من مقولتين مأثورتين للزعيم «لي كوان يو»: «تنظيف الفساد مثل تنظيف الدرج يبدأ من الأعلى إلى الأسفل»! «كنتُ أهتم بالاقتصاد أكثر من السياسة، وبالتعليم أكثر من نظام الحكم، لقد اتخذت قراراً شجاعاً، جعلت موازنة وزارة التعليم أكبر من موازنة وزارة الدفاع»!
وسلامتكم!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

العلاج بالمعنى

11 نوفمبر 2019

فلسفة العطاء

28 أكتوبر 2019

عن «جبر الخواطر»

07 أكتوبر 2019

ازرع جميلاً!

30 سبتمبر 2019