الإثنين 24 ذو الحجة / 26 أغسطس 2019
06:44 ص بتوقيت الدوحة

تل أبيب.. قفزة إلى المجهول

تل أبيب.. قفزة إلى المجهول
تل أبيب.. قفزة إلى المجهول
لأن الأمور السياسية، خاصة العلاقات بين الدول لا تخضع للصدف، فإن حرص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين على المشاركة في حفل الاستقبال الذي أقامته السفارة المصرية في تل أبيب، بقيام ثورة يوليو ١٩٥٢، يمثل مجموعة من الرسائل ليست للمصريين فقط، ولكن للمحيط العربي، والذي تتطور فيه الأمور – للأسف الشديد – وبسرعة فائقة، إلى إتمام خطوة التطبيع العربي مع إسرائيل، صحيح أنها ليست المشاركة الأولى، فقد حضر احتفال عام ٢٠١٦، وكانت المرة الأولى التي تقيمه السفارة المصرية منذ عام ٢٠٠٩، في تجاوز مقصود للبرتوكول، ولكنها بكل المقاييس هي الأهم، لعل الرسالة الأولى هي لجمال عبدالناصر نفسه، الذي اكتسب شرعية ثورته من تصدر محاربة الاستعمار أهداف تلك الثورة، وأظن صادقاً بأن أكثر المتشائمين -ومنهم عبدالناصر نفسه- لم يتصور أن يأتي اليوم الذي يرى فيه سفارة لبلاده في إسرائيل، بعد كل الدماء الزكية والطاهرة من آلاف المصريين، التي سالت في الحروب مع إسرائيل في عام ١٩٥٦ و١٩٦٧ وبعد وفاته في عام ١٩٧٣، وأن يشارك نتنياهو في احتفال بثورته على أرض مصرية.

رسالة أخرى أرادها نتنياهو من المشاركة في الاحتفال، هي الإشارة إلى العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، التي وصلت إلى إرسال مروحيتين مصريتين للمشاركة في إخماد الحرائق بأنحاء متفرقة من إسرائيل في مايو الماضي، فقد بشر بحضوره بعصر جديد لهذه العلاقات، من خلال حديث نتنياهو عن أن وتيرة تدفق الغاز الإسرائيلي إلى مصر ستزداد بعد أربعة أشهر، في إطار مشروع تجريبي.

وأهمية الخطوة أن إسرائيل تروّج -ومعها واشنطن- للتعاون الاقتصادي كمدخل للقبول بها، ضمن منظومة المنطقة العربية، وها هي القاهرة ستكون البداية، ومن خلال الغاز، حيث أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز -في بداية هذا العام- أن إسرائيل ستبدأ بتصدير الغاز إلى مصر خلال أشهر قليلة، في خطوة رئيسية ضمن خطط إسرائيل الرامية لبيع إنتاجها المتزايد من الغاز في الخارج، وتعزيز علاقاتها الدبلوماسية مع دول الجوار. قال شتاينتز إنه من المتوقع أن تصل صادرات الغاز الإسرائيلي لمصر إلى سبعة مليارات متر مكعب سنوياً على مدى عشر سنوات، بقيمة 15 مليار دولار.
وكلام الوزير ينسف زيف ادعاء البعض بأن التصدير هدفه تسييل الغاز الإسرائيلي، ويثير تساؤلاً مهماً: لماذا تلجأ مصر إلى استيراد الغاز الإسرائيلي؟ بعد ما أعلنته من اكتشاف حقل غاز «ظهر» العملاق في المياه الإقليمية المصرية، والذي يحتوي على 30 ترليون قدم مكعبة من الغاز، مما يكفي لتغطية احتياجات مصر من الغاز، والاكتفاء الذاتي منه؟ وكيف تحولت مصر من مورد للغاز لإسرائيل حتى عام ٢٠١٢، والذي توقف نتيجة اعتداءات مريبة على خط تصديره المار بسيناء، واضطرت القاهرة لدفع عدة مليارات نتيجة أحكام عليها، الأول أصدرته غرفة التجارة الدولية بجنيف في ديسمبر ٢٠١٥، ويقضي بإلزام وزارة البترول -من خلال الشركة القابضة للغازات الطبيعية والهيئة العامة للبترول في مصر- بدفع تعويض لشركة غاز شرق المتوسط بقيمة ٢٨٨ مليون دولار. أما القضية الثانية لشركة غاز شرق المتوسط، فطالبت فيها الشركة الحكومة المصرية بدفع تعويض قيمته 8 مليارات دولار نتيجة توقف نقل الغاز المصري لشركة كهرباء إسرائيل، وهو ما تم التوصل فيه إلى تسوية تُسدد بموجبه مصر 500 مليون دولار على مدى ثمانية أعوام ونصف العام، في مقابل إتمام صفقة القبول بتصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر.

القاهرة تقدمت خطوات غاية في الخطورة على الأمن القومي المصري، في مسيرة علاقاتها مع إسرائيل، بعد أن رفض مجلس النواب المصري مقترحاً من أحد نوابه، بمنع منح الجنسية المصرية لمن يحمل الجنسية الإسرائيلية أو الفلسطينية، والأخيرة منفذة بالفعل، بفعل قرار وافقت عليه الدول العربية بمنع الجنسية عن الفلسطينيين المقيمين فيها، لمنع تصفية الهوية الفلسطينية، فماذا عن الجنسية الإسرائيلية؟ وهل سنرى أبناء من إسرائيليين حصلوا على الجنسية بعد دفع 10 آلاف دولار، وامتلاك شقة، في مناصب مصرية حساسة، بعد سنوات قليلة؟ الأمر خطير... ولكن من يسمع؟ ومن يعي؟ ومن يفهم؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.