السبت 19 صفر / 19 أكتوبر 2019
12:34 ص بتوقيت الدوحة

الحل في الجزائر داخلي وفي السودان بوساطة خارجية

الحل في الجزائر داخلي وفي السودان بوساطة خارجية
الحل في الجزائر داخلي وفي السودان بوساطة خارجية
عودة تفقّدية الى الثورتين أو الحراكين الجاريَيْن في إطار «الربيع العربي» المنقّح والمصحّح. في السودان، أُفيد بأن طرفَي الصراع توصّلا، بعد وساطة إثيوبية- إفريقية، إلى اتفاق على «تقاسم السلطة» يختلف عن الاتفاق الأول الذي نسفه فض الاعتصام بعنف وحشي مفرط، وممارسات جنجويدية مشهورة البشاعة، منذ حرب دارفور، وواقعة في المحكمة الجنائية الدولية تحت وصمة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وفي الجزائر، قد تشكّل المبادرة الأخيرة التي عرضها الرئيس الانتقالي بداية مسار للخروج من الأزمة، إذ إنها تمنح الشخصيات المستقلة غير الحزبية وغير الطامحة إلى مناصب فرصة التحاور مع القوى السياسية لرسم خريطة طريق لانتخاب رئيس جديد يمكن أن يقوم بإصلاحات مؤسسة لـ «نظام جديد». ويبدو أن هذا العرض هو آخر، بل أقصى ما تستطيعه السلطة لتأمين انتقالٍ آمنٍ وسلسٍ من نظامٍ الى نظام.

في الحالَين يبقى العسكريون في الواجهة، من خلال ترؤس أحدهم المجلس العسكري في السودان، وإن ضمّ مدنيين، ومن خلال إصرارهم في الجزائر على أن تكون أي إجراءات انتقالية تحت سقف الدستور. ومع أن أزمة الثقة مزمنة بين السلطة والمجتمع، كانت النظرة التقديرية الإيجابية إلى الجيش متماثلة لدى الشعبَين الثائرَين، ولعلها بقيت كذلك -تقريباً- في الجزائر، رغم أن بعض متظاهري الثلاثاء والجمعة راح يطالب برحيل الفريق أحمد بن صالح، أما في الخرطوم فتغيّرت النظرة كليّاً إلى الجيش وسط مخاوف على وحدته وتماسكه، خصوصاً مع انكشاف تيارات عدة فيه بين المؤيّد للحراك والمناوئ له، إما لارتباط بنظام عمر البشير، أو بأحزاب وجماعات كان لها شأن أيام ذلك النظام. وقد انعكس كل ذلك في تركيبة المجلس العسكري الذي وجد نفسه أمام مهمة لم يتصوّرها أي من أعضائه: نقل السلطة إلى المدنيين.

في البلدين يُعتبر العسكريون ضماناً للأمن، لكن سلوكهم في السودان أثار تساؤلات، بالأخصّ ما أبداه محمد حمدان دقلو (حميدتي) من مواقف سياسية ملتبسة ومن تنصّل، لم يصدّقه أحد، من الميليشيات التي أنهت الاعتصام، وقد ارتدى أفرادها زي «قوات الدعم السريع» التي يتولّى قيادتها. أما في الجزائر فعدا أن تدخّل الجيش ظلّ محدوداً، فإن الحراك نفسه استعاض عن الاعتصامات بتظاهرات تعمّ المدن والبلدات، ولم يفتر زخمها على مدى عشرين أسبوعاً حتى الآن، ما شكّل رسالة بالغة الوضوح لم يسبق أن تلقّت السلطة مثيلاً لها بسلميّتها وثباتها. لذلك يُحسب للعسكريين الجزائريين أنهم التزموا ضبط النفس، وأوفوا بتعهدهم احتضان الحراك الشعبي وحمايته من دخلاء متَوَقَّعين، متفرّدين بذلك عن نظراء لهم في العديد من الدول العربية، وبالطبع عن نظرائهم السودانيين الذين باتوا الآن على محك إنجاح الحكم المدني.

هناك تدخّلات خارجية، لكنها أقل تأثيراً وتورّطاً في الجزائر منها في السودان، والمفارقة أن هذه التدخّلات لم تكن عبر الحراك الشعبي وقادته، بل عبر قوى السلطة. فهناك مَن حرّض على كسر الاعتصام في الخرطوم، لكنه لم يتخيّل أن الأمر سيتمّ على هذا النحو الذي استثار المجتمع الدولي، من القتل المتعمّد، والاغتصابات ورمي الجثث في النيل. والأكيد أن عسكر السودان عمدوا إلى استخدام القوّة المفرطة والمنفلتة ليحسموا تحكّمهم بالمسار السياسي، إلا أن الحصيلة المخيّبة اضطرتهم للرضوخ للضغط الخارجي ومعاودة التفاوض. لكن أي اتفاق في السودان لا يعني نهاية المطاف، فهناك قوى داخلية وخارجية لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.