الجمعة 08 ربيع الثاني / 06 ديسمبر 2019
01:38 ص بتوقيت الدوحة

الأرواح

الأرواح
الأرواح
تدور مقالتي اليوم حول موضوع يشبه اللغز، على الرغم من وضوحه، استعصى على الجسم منذ بداية الخليقة، وحتى يومنا هذا، وما زال الذهن البشري منشغلًا به. لن أتحدث عنه حديث الفلاسفة والفقهاء، فذلك داعٍ إلى التعقيد. ولا حديث الشعراء؛ فذلك داعٍ إلى التهوين، بل سأمزج قولي بقولهم؛ لأحدثكم عن بعض الظواهر.
أولاها: ظاهرة تآلف الأرواح، وهي مما حير الألباب. فما الذي يجعل روحك تنجذب إلى فلان وتنفِر من فلان، على الرغم من أن هذا قد يكون قريباً نسباً وصهراً، وذاك بعيد؟
وتفسير ذلك؛ أن اللقاء كان أول مرة حين تصافحت الأرواح في عالم المجاملة، فتقع في إحدى دائرتين، وفق قول رسولنا الكريم: «الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منا اختلف». فقد يحدث أن تتصافى الأرواح حتى تمتزج الأحاسيس ويتلاقى مغناطيس الأرواح، فيوحد التصورات والتطلعات والاهتمامات، حتى ينطبق عليها القول القديم: «نحن روحان سكنا بدناً». وإن تنافرت تفرقت.
ثانيهما: ما يحرق في عالم الروح من اضطراب وسكون ومد وجزر وإقبال وإدبار. وهو أمر تنبه إليه الحبيب الكريم -صلى الله عليه وسلم- فقال: «اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك». وتقلُّب الأرواح والأنفس يحتاج إلى خبرة ومرونة. وقد كان أهل التربية يقولون: «من ملك زمام نفسه، أوتي مفتاح الدنيا».
وهناك ظاهرة ثالثة تحتاج إلى تأملٍ ووقوفٍ، هي ظاهرة الكره والحب. فسبحان من جعل المودة بين الناس، وسبحان من قدّر النفور بين بعضهم، إنهما أمران عصيّان على الخضوع، والمنطق، والقانون، ذلك أن مقاييس الجمال مختلفة، وفق اختلاف الأذواق ومقاييس الفضيلة والقيم كذلك. ولكم تعجب الشعراء من الذين يلومونها، وتعجب اللائمون من إصرار الشعراء، حتى صوَّر أحد الشعراء هذه المعادلة قائلاً:

مَا لِلْمُحِبِّينَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى فَادِ وَلَا مُقِيــــــــــــــــدٌ لِقَتْلَاهُــــــــــــــــــمْ وَلَا وَادِ
وَلَا حَمِيمٌ وَلَا مَوْلَى يَرِقُّ لَهُـــــــــــــمْ بَلْ هُم بِوَادٍ وَكُلُّ النَّاسِ فِي وَادِ

على الرغم من اختلاف الرؤى حول الروح وعوالمها، فإن الناس متفقون على أن الأنفس مجبولة على حب من أحسن إليها. وأن الرفق أحد مفاتيح جذب الأرواح. والصدق أحد أسباب دوام الود. وأصحاب الأرواح الثقيلة بلاء مُبرِم. وأنه بقدر شفافية الروح تكون السعادة، وبقدر قتلنا إياها يكون الشقاء.
وأختم بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾، فحلقوا بأرواحكم في ملكوت الله، واعلموا أن الروح سترد إلى خالقها، فاحيَوا بها على خير، وإن فارقتكم فستلقونها وتلقاكم على خير.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

روعة التصوير في الشعر

01 ديسمبر 2019

ساحة الوصفِ في الشعر

24 نوفمبر 2019

جدلية الموت في الشعر

17 نوفمبر 2019

الرّبابُ والشعر

10 نوفمبر 2019

منظار امرئ القيس

03 نوفمبر 2019

عالم الأسرار

27 أكتوبر 2019