الجمعة 08 ربيع الثاني / 06 ديسمبر 2019
01:52 ص بتوقيت الدوحة

عيوبٌ حميدةٌ

عيوبٌ حميدةٌ
عيوبٌ حميدةٌ
إن امتلاك مفاتح المدح والذم ليس سهلاً على من غاب عن لغته أو غيّبها من حياته، فاللغة هي مفتاح المفاتيح، ومن دونها لن يملك الإنسان أي مفتاح عبور إلى جانب من جوانب الحياة، ومن دونها سيضطر الإنسان إلى سلوك طرق مليئة بالعثرات، وبناء عليه تضلُّ رسالته، ويُساء فهمه، وفي الحصيلة؛ يصعب عليه تحقيق هدفه والوصول إلى مبتغاه. وفي سياق المدح والذم، حفلت اللغة بكثير من الأمثلة التي بدا في ظاهرها ذم، وفي باطنها مدح وثناء.
وخير توظيف لذلك ما ورد في كتاب الله -عزّ وجلّ- في مُحكَم التنزيل: «لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً».
ومن خلال النظر إلى جناحَي الاستثناءِ، نجد أن مفردة السلامَ عائدة إلى اللغو، وذاك أن المُستثنى يخرجُ من رحِمِ المُستثنى منه! أجل، شاء الخالقُ -جلَّ وعلا- أن يصفَ لنا صفاءَ جنّته العالية التي لا تُسمع فيها لاغية إلا لاغية السلامِ الذي يُلقيه الملائكة على أهلِها وهم يدخلون عليهم من كل باب! فإن كان هذا لغواً، فأكرم به من لغو.
وكثيراً ما مدحَ الشعراءُ ممدوحيهم بطريقة الذمِّ، وكثيراً ما ذمّوا بطريقة المدح؛ بهدف الوصول إلى مبتغاهم. وهذا خير دليل على أن من يمتلك جوامع اللغة، يستطيع أن يحيل العيب إلى أمر محمود، ويحيل النقص إلى تمام. وهنا نستعرضُ أوصافاً ظاهرُها فيه الذمُّ، وباطُنها فيه المدحُ والثناءُ، يتخذها بعضُ الشعراء طريقة غير مطروقةٍ، وسلوكاً غير مسلوكٍ في تسويقِ أفكارِهم. ومثال ذلك؛ صفي الدينِ الحلي في نهج بردتِه، إذ يقول:
لا عَيبَ فيهِم سِوى أَنَّ النَزيـــــــــــــــــلَ بِهِم
يَسلو عَنِ الأَهلِ والأَوطانِ والحَشَمِ
إنه لمنَ العيبِ أن ينسى المغتربُ أهلَه ووطنَه، ولكنّ آلَ البيتِ الكرامَ يُنسُون الإنسانَ أهلَه؛ بما يجدُ فيهم من الأهلية الكريمة، وطيب المعشَر، وحسن الرفادة. ويُنسُونه وطنَه؛ بما يجدُ فيهم من دفءِ الأحضانِ والعِوَضِ عن الأوطان.
كذلك، يشيرُ النابغة إلى عيبٍ مشابهٍ في معرِضِ مدحِه لملوكِ غسّان:
ولا عيبَ فيهم غير أن سيوفَهم بهنّ فلولٌ من قــــــــــــــــــــــــراعِ الكتائبِ
لطالما افتخرَ الشعراءُ بسيوفِهم البتّارة، ولطالما قرأْنا أن عيبَ الجَوادِ كبْوَتُه، وعيبَ السيفِ نَبْوَتُه، إلا أنّ العيبَ في سيوفِ هؤلاء هو مصدرُ المجدِ وغاية الحمد، ولمثلِه فليتنافسِ المتنافسونَ، وليتهافتِ المتهافتون!
فما أحوجنا في زماننا هذا إلى عودة حقيقية إلى معين لغتنا العذب، والنهل منه كل مفيد ونافع ومشرق، على نحو نستطيع فيه وضع كل قيمة في مكانها الصحيح، ووصف كل موصوف بما يليق، والذب عن أنفسنا ووطننا وديننا بطريقة فصيحة واضحة، ملؤها الحجة والبيان، والقوة والرصانة، وحينها سنَمدَحُ حقاً ونُمدَحُ صدقاً، وسبب ذلك كله حينها امتلاكنا مفاتح اللغة التي تقودنا إلى تحقيق أهدافنا.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

روعة التصوير في الشعر

01 ديسمبر 2019

ساحة الوصفِ في الشعر

24 نوفمبر 2019

جدلية الموت في الشعر

17 نوفمبر 2019

الرّبابُ والشعر

10 نوفمبر 2019

منظار امرئ القيس

03 نوفمبر 2019

عالم الأسرار

27 أكتوبر 2019