الثلاثاء 13 ذو القعدة / 16 يوليه 2019
01:20 ص بتوقيت الدوحة

أيّ دين يريدون؟

أيّ دين يريدون؟
أيّ دين يريدون؟
سؤال بالغ الأهمية يطرح نفسه هذه الأيام، في ظل الجدل الدائر حول التطرف والاعتدال، والوسطية والتشدد، والإرهاب والمقاومة.
لم يتوقف هذا الجدل طوال الأعوام الأخيرة، إذ هناك من يطرحون تديناً جديداً، وربما ديناً جديداً يريدون فرضه على الناس بسطوة القوة، والأهم بسطوة التزوير، تزوير الوقائع التي ما زال أكثر شهودها أحياء.
يتحدثون عن «الصحوة» بوصفها مستودع التشدد، لكأنهم يتحدثون عن القرون الأولى من الدعوة الإسلامية، والتي ستعثر على روايات متناقضة حيالها، وإن تراوحت من حيث مستوى قوتها وهشاشتها التاريخية.
ومصطلح «الصحوة» هنا، وإن استخدمه البعض في وصف صعود حالة التدين في السعودية والخليج، فإنه يعني من حيث المضمون العملي عموم الصحوة الإسلامية، أي صعود موجة التدين، والتي يمكن التأريخ لها منذ مطلع الثمانينيات، وهذه لم تكن متشددة في أيّ من تجلياتها، فلا هي كانت ضد الموسيقى أو المرأة، ولا ادّعى أهلها أنهم «الفرقة الناجية»، بل استوعبت شتى المذاهب، وكانت صراعات تياراتها تدور حول أيها الأقرب إلى تحقيق نهوض الأمة وتحررها، وليس بشأن الناجي في الآخرة.
ما دفع بعضها إلى الأحادية في مسائل الاعتقاد والفقه، هو النهج الرسمي الذي تبنى لوناً معيناً، وراح يمنحه كل أدوات القوة، مقابل حصار المسارات الأخرى، وهو لم يفعل ذلك إلا لأن هذا اللون هو الذي أدخل طاعة الحاكم ضمن المسائل العقدية، مع أنها قضية سياسية مجالها العمل العام، ولا صلة لها بالعقيدة، وإلا لتم تصنيف سيدنا الحسين بن علي من الخوارج حين ثار على يزيد، وكذلك حال الصحابة الذين قاتلوا يزيد أيضاً، أو العلماء الذي ثاروا بعد ذلك في القرون التالية.
وحين لم تركن بعض تجليات «الصحوة» إلى هذه النظرية الأخيرة وطالبت بالإصلاح، تمت محاربتها بما في ذلك مجموعاتها التي تلتقي مع النهج الرسمي في قضايا الفقه والاعتقاد الأخرى، باستثناء القضية السياسية.
اليوم، لا يتم اتهام الصحوة بنهج «الخروج» في القضية السياسية وحسب، بل يتم اتهامها بكل تجليات التشدد -إن جاز التعبير- في كل القضايا الأخرى، مع أنها كانت تستند في كل فتاواها إلى العلماء الرسميين، والذين ما زال بعضهم يردد المضمون ذاته، من دون أن يطالهم أي عنت، بالطبع لأنهم يتبنون فقه الطاعة.
هناك بالطبع بُعد سياسي آخر تجري نسبته إلى الصحوة، ممثلاً في بعض المساهمات «الجهادية» مثل أفغانستان والشيشان والعراق وسوريا، فيما واقع الحال أن تلك المساهمات كانت لها أبعاد رسمية أيضاً، وبالذات في أفغانستان، الأمر الذي ينطبق نسبياً على العراق وسوريا -وإن كان لفصائل بعينها- ونتذكر أن بعض قوى المقاومة العراقية الإسلامية كانت تحصل على التبرعات من الخليج من دون أي مشكلة.
من هنا يمكن القول، إن التهم التي تُكال للصحوة سواء في طبعتها الخليجية أم غير الخليجية، ليست صحيحة بحال، وما يجري هو تصفية حساب معها لاعتبارات لا صلة لها بالتاريخ البعيد، بل بالتاريخ القريب، إذ تجري نسبة ربيع العرب إليها، وتلك هي الجريمة الكبرى في عُرف من يطاردونها اليوم، إذ يرون أن التدين هو الذي يمنح حاضنة لقوى ما يعرف بالإسلام السياسي، ولا بد من تجفيف ينابيعه تبعاً لذلك.
وتجفيف الينابيع يتم بأدوات كثيرة من بينها التشكيك في العلماء، وتغيير المنظومة الاجتماعية، وصولاً إلى التشكيك في الدين وثوابته، مع بقاء قدر من المجاملة لتيار «الطاعة»، وإن كانت مجاملة محدودة، بل مؤقتة، لأن وجوده يُبقي على قدر من التدين أيضاً، وهذا غير مرغوب فيه كذلك.
من هنا، فإن جواب سؤال «أيّ دين يريدون؟» هو أنهم لم يعودوا يريدون التدين، بل يفضّلون تغييب الدين من حياة الجماهير، لكن مصيبتهم الكبرى أنهم لا يفقهون أن مطالب الشعوب في ربيع العرب لا صلة لها بالدين والتدين، بل بمطالب مشروعة أخرى معروفة، وها هو اليسار قد تصدر المشهد في السودان، فيما لا يتصدر الإسلاميون المشهد في الجزائر، وإن حضروا على نحو جيد.
الخلاصة، أن أولئك القوم يخوضون معركة بلا طائل، وإن حققت بعض النجاحات هنا وهناك بسبب قدراتهم المالية والسياسية، وبسبب الوضع الإقليمي والدولي، لكن النتيجة أن كل نجاحاتهم لم تدفن أحلام الشعوب في الحرية والتحرر والعدالة الاجتماعية والمساواة، وسيضطرون في النهاية إلى الاستجابة لمطالب الشعوب، طال الزمان أم قصر، أما التدين فسيبقى حاضراً بقوة ما بقي رموزه فاعلين في حياة الناس، ومعبّرين عن ضميرهم وهمومهم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.