الأربعاء 16 صفر / 16 أكتوبر 2019
01:21 م بتوقيت الدوحة

صاحب السمو يتوّج الدوحة «منارة للفكر»

صاحب السمو يتوّج الدوحة «منارة للفكر»
صاحب السمو يتوّج الدوحة «منارة للفكر»
في خطوة أخرى من اهتمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد «حفظه الله»، بالعلم والتعليم والفكر والثقافة، تفضل سموه أمس، وشمل برعايته الكريمة افتتاح معهد الدوحة للدراسات العليا التابع للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
اهتمام صاحب السمو الأمير بهذا الصرح العلمي الكبير تجلى في حرص سموه على تفقد المبنى الجديد للمعهد، والاستماع إلى شرح مفصل عن أقسامه وبرامجه ورسالته الأكاديمية، وما سوف يضطلع به من أبحاث ودراسات.
افتتاح صاحب السمو -حفظه الله- هذا الصرح يأتي بعد أسابيع قليلة من الزيارة التي قام بها سموه إلى جامعة قطر، في يوم 19 أكتوبر الماضي، وهي الزيارة التي كان عنوانها الرئيس اطلاع قيادة الدولة على المسيرة التعليمية العليا في الجامعة الوطنية، والوقوف على أبرز المشاريع والمراكز والمسارات التربوية والتعليمية والخطط المستقبلية للجامعة، بما يتواكب مع المعايير العالمية التي حققتها، وما يتواكب مع رؤية قطر 2030 واحتياجاتها الحالية والمستقبلية.
والمؤكد في ظل هذا الاهتمام بصروح التعليم أن قطر تسير بخطى ثابتة في طريق «دولة الشباب والعلم»، وأن دولتنا الفتية تدرك، وفق رؤية صاحب السمو، أن أفضل استثمار يعود بالنفع على حاضر ومستقبل شعبها هو الاستثمار في أغلى ما تملكه وهو «الإنسان». ولعلنا نتذكر جميعاً الكلمة المعبرة التي وقعها سموه لطلبة جامعة قطر خلال تلك الزيارة: «الإنسان هو أهم لبنات بناء الوطن، وأعظم استثماراته.. فيكم استثمرت قطر وبكم تعلو ومنكم تنتظر»، ما يؤكد الآمال التي يعقدها سموه على شبابنا، ودورهم المنتظر في نهضة بلادنا.
ويحمل افتتاح الأمير المفدى معهد الدوحة للدراسات العليا أكثر من معنى ودلالة، ويقدم رسائل عديدة، أهمها أن صاحب السمو -حفظه الله- يؤكد دوماً وبشكل عملي رعايته لكل الأنشطة العلمية، باعتبارها أساس تقدم قطر، وأن رهان سموه الدائم ينصب على شباب الدولة، ليضيفوا إنجازات جديدة في مسيرة وطن استطاع خلال عقود قليلة أن يصنع لنفسه اسماً ومكانة على الساحة الدولية باقتدار.
ولا شك أن هذا الصرح الفكري والعلمي والثقافي سيكون له انعكاساته الإيجابية على مسيرة تطوير التعليم في الدولة، وتجدر الإشارة بداية إلى أن المعهد مؤسسة خاصة غير ربحية، تعمل حصرياً لتحقيق غايات تعليمية وبحثية خدمة للمجتمع. وقد أسّسه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2014 بصفته كياناً مستقلاً قانونياً. وحصل المعهد على الترخيص بالانطلاق من «المجلس الأعلى للتعليم سابقاً»، وزارة التعليم حالياً في قطر، كمؤسسة وطنية للتعليم العالي.
ومن المهم أن نشير إلى أن معهد الدوحة يقدم برامج الماجستير في كليتين: كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، وكلية الإدارة العامة واقتصاديات التنمية.
وانطلقت السنة الدراسية الأولى في المعهد ابتداءً من 4 أكتوبر 2015، فتمّ قبول 148 طالباً وطالبة، غالبيتهم من أبناء وبنات قطر مع أشقائهم العرب. ويخطّط المعهد لأن يتراوح العدد الإجمالي للطلاب الملتحقين به في الأعوام القادمة ما بين 350 و400 طالب وطالبة، مع الإعداد التدريجي لتقديم برامج دراسية على مستوى درجة الدكتوراه بدءاً من السنة الدراسية 2017 - 2018.
واللافت للنظر أن المعهد أنشأ مركز دارسات النزاع والعمل الإنساني، والذي يعتمد نهجاً أكاديمياً عابراً للتخصصات، إذ يُجري أبحاثاً مبتكرة ودقيقة عن أسباب النزاعات، وآليات عملها وتطورها، وآثارها، والاستجابة لها، كما يدرس المركز التعامل مع الأزمات الإنسانية، وهشاشة الدولة، وعمليات الانتقال السياسي، والإعمار ما بعد الحرب في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويقدم هذا المركز برنامج ماجستير في إدارة النزاع والعمل الإنساني.
ولا شك أن معهد الدوحة للدراسات العليا يعد أحد المخرجات المهمة التي أثرى بها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الساحة القطرية والخليجية. والمؤكد أن المركز العربي أصبح منارة ثقافية عربية بشكل عام، خاصة أن المركز من خلال نشاطه العلمي البحثي، يسعى إلى خلق تواصل بين المثقفين والمتخصصين العرب في العلوم الاجتماعية والإنسانية بصورة عامّة، وبينهم وبين قضايا مجتمعاتهم وأمتهم، وبينهم وبين المراكز الفكرية والبحثية العربية والعالمية، وهذا ما حرص على تحقيقه المفكر العربي الأستاذ الدكتور عزمي بشارة، كجزء من التزاماته تجاه دولة قطر، خصوصاً، وأمته عموماً، من خلال رفد الأمة بطلبة على قدر عالٍ من التعليم والقدرات والمهارات للتعامل مع القضايا العربية.
إن جولة صاحب السمو في معهد الدوحة، واستماعه لعرض شامل عن «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية» الذي يتتبع تاريخ الألفاظ العربية على مدى عشرين قرناً، ويستغرق إنجازه نحو 15 عاماً، تأكيد على التزامه الأصيل لخدمة اللغة العربية التي تشكل الوعاء الثقافي للأمة العربية ذات الطموحات المشروعة.
كما أن هذا المعجم يعد إشارة جديدة إلى أن الدوحة لم تعد فقط مركزاً للحوار والوساطة وعاصمة اقتصادية ورياضية في المنطقة، بل أصبحت مركز إشعاع حضاري، فهذا المشروع الضخم يهدف إلى بناء معجم تاريخي للغة العربية على امتداد تراثها طيلة ألفي عام، وسوف يتضمن المنتج النهائي «ذاكرة» كل لفظ من ألفاظ اللغة العربية، تسجِّلُ تاريخَ ظهوره بدلالته الأولى، وتاريخَ تحولاته البنيوية والدلالية، ومستعمليه في تطوراته، مع توثيق تلك «الذاكرة» بالنصوص التي تشهد على صحة المعلومات الواردة فيها، وذلك استناداً إلى مدونة لغوية ضخمة، تشمل جُلَّ ما أُلِّف من المصنفات العربية.
ومن أهم الموجبات العلمية لهذا المشروع هو الإسهام في تطوير الصناعة المعجمية العربية بصورة ملائمة للاستخدامات المعاصرة، وسد ثغرة غياب معجم تاريخي للغة العربية. ويتحقق بذلك رصد التطور الدلالي للغة العربية عبر عصورها التاريخية، وفهم التراث المعرفي والعلمي فهماً صحيحاً، وحماية تراث هذه الأمة اللغوي والفكري والعلمي، واستثماره في مجالات البحث والتعليم والمعالجة الآلية للغة العربية.
إن قطر تغرد داخل سرب بناء دولة عصرية، تشجع العلم والفكر والثقافة، وهذا ما جعلها في غضون سنوات قليلة تقدم نفسها للمجتمع الدولي بشكل مختلف عما تعوده من المنطقة على أنها بلدان تصدّر نفطاً وطاقة و.. فقط. فقد أصبحت دولتنا، بفضل الله، ثم بجهود أميرها الشاب وشعبها، تضم مراكز وجامعات ومعاهد تعليمية بارزة، لتصبح بقعة ضوء تنير سماء العالم العربي.
تمضي قطر نحو المستقبل بثقة، وتزيّن جبينها علاقة حب متبادلة تجمع القائد والشعب، ويحق لنا جميعاً الفخر بهذا وبما تم إنجازه، وعلى الخير والمحبة نلتقي يا إخوان..
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.