الخميس 20 رجب / 04 مارس 2021
 / 
02:38 م بتوقيت الدوحة

لماذا وصل حال الشيخ إلى هنا؟ (2-2)

د. أحمد موفق زيدان
نواصل، في الحلقة الثانية والأخيرة، الحديث عن السبب الذي وصل به حال الشيخ ورجل العلم إلى ما وصل إليه، لنقول إنه ليس أمام المشايخ والعلماء إلا العودة إلى ما كان عليه سالف الأمة، بحصر عملهم ضمن روابط وهيئات علمية حقيقية لا يدخلها إلا أصحابها من أهل العلم والدين، وإبعاد كل من ليس منهم عنها، لتكون الفتوى والموقف الشرعي تبليغاً عن الله تبارك وتعالى، وليس تبليغاً عن فصيل أو حزب، ولا عن تيار فكري، يستأثر بالرابطة أو الجماعة أشخاص أو تيارات فكرية يمارسون لعبتهم الدنيوية في التحزب والانتخاب و»الكولسة»، فيفقد العلم والعلماء بريقهم ورمزيتهم؛ فإن أسوأ ما نشهده اليوم هو أن يُنظر إلى الموقف الشرعي أو الفتوى على أنه موقف فكري سياسي حزبي وليس موقفاً دينياً شرعياً ينبغي الالتزام به والأخذ عنه.
لعلّ من أسوأ الأدوات التي لها أفدح الأذى بالمشايخ والعلماء ومشروعهم، الإعلام الجديد ومنصاته من «فيس بوك» و»تويتر» و»تلجرام»؛ إذ تجد الشيخ أو العالم يُسرع في تحديد موقفه من كل قضية تعترضه، وكأنه في سباق مع منافسيه في نقل الأخبار والآراء، وهو الأمر الذي يكلفه الكثير، ويأكل من أرضية شرعيته؛ بينما كان جديراً به أن يتأنّى في نقل الخبر والتعليق عليه، فالحكم على الشيء فرع عن تصوّره، وليس من السهل تصوّر ما يجري اليوم في ظل تدفّق معلومات تعجز دول عن إصدار حكم يتسق مع مصالحها.. فكيف بشيخ أو عالم يصدر حكماً يتسق مع مصلحة الدين والدنيا ويتعدى حكمه المكان والزمان؟!
من المحزن أن ترى أحزاباً سياسية تسعى إلى تجميع الأمة أكثر مما يسعى إليه بعض المشايخ والعلماء وروابطهم، فيسكت السياسي حين ينبغي السكوت، وإن تكلّم ففي الجوامع، ويتحاشى ما يفرّق الأمة، فالسكوت موقف؛ بينما يسارع بعض العلماء إلى اتخاذ موقف.. وكما قال المتنبي من قبل:
وَوَضْعُ الندى في مَوْضِعِ السيْفِ بالعُلى
مُضِرٌّ كَوَضْعِ السيْف في مَوْضِع الندى
ولكن مع ذلك، لا نعني بهذا الصمت في قضايا واضحة كقضايا الربيع العربي وثوراته، وقضايا الاستبداد والاحتلال، والغارة الطائفية على الأمة ونحوها من محاصرة الأمة والتضييق عليها؛ ولكن نتكلم عمّا يفرّق الأمة من الحديث عن فصائل وجماعات وأشخاص وحوادث جزئية صغيرة، الصمت فيها أَوْلى ديناً ودنيا.
لا حلّ أمام المشايخ والعلماء إلا بفكّ الارتباط بين السياسي والديني، ولا نعني هنا فكّ علاقة كما أرادها العلمانيون، بإبعاد الدين عن السياسة.. كلا، وحاشا لله، وإنما بفكّ تأثير السياسي والحزبي ومصالحه الضيقة وفرضها على العالم والشيخ وروابطه وجماعاته؛ وبالتالي أن يتحرّك العالم والشيخ من منطلق مصلحة الأمة وفهمه لها أولاً وأخيراً، لا مصلحة الشخص والحزب والفصيل وتيارات فكرية معينة، ليكتب الله تبارك وتعالى ذلك الموقف بين الأمة، وليس وسط شريحة معينة محددة، فيؤلّب عليه آخرين. ولعلّ بعض العلماء والمشايخ الذين آثروا الابتعاد عن التعليق اليومي على الأحداث أحسنوا كثيراً، فظلوا شموعاً وقامات بأعين الجميع. وكم فكرتُ بأنه لو أن خالد بن الوليد -رضي الله عنه وأرضاه- أو غيره من قادة الفتح الإسلامي في زمنه أو من بعده، انتظروا كل فتوى شرعية يصدرها من يجلس في مدينة رسول الله.. هل كان خالد أو غيره برح المدينة لميل واحد؟!