الخميس 12 ربيع الأول / 29 أكتوبر 2020
 / 
08:32 ص بتوقيت الدوحة

داخل الاجتماع المصري - اليوناني لترسيم الحدود البحرية

علي حسين باكير
في ١٨ يونيو الحالي، زار وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس مصر والتقى خلال الزيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية سامح شكري، وذلك لبحث عدد من الملفات الساخنة، على رأسها مسألة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين شرق البحر المتوسط. ولهذا الغرض بالتحديد، رافق الوزير اليوناني فريق من التقنيّين المتخصّصين استعداداً للجولة ١٢ من المفاوضات التي تمتد لسنوات بين الطرفين.
مدفوعاً بالزخم المعنوي للاتفاق الإيطالي - اليوناني، كان فريق المباحثات اليوناني يأمل بالتوصّل إلى اتفاق مماثل مع القاهرة. بعض اليونانيين لم يخفِ تفاؤله بهذا الأمر سيما مع تأزّم الموقف المصري - التركي في ليبيا. وفي الحقيقة، فقد كان التوقيت ملائماً جداً للأجندة اليونانية، إذ تعمّدت اليونان نفخ الموقف المصري من خلال التأييد المطلق والدعم القوي للمبادرة التي أطقتها القاهرة مؤخراً بشأن ليبيا.
كانت أثينا تأمل في أن تحسم موضوع الترسيم مع القاهرة وتقطع الطريق على الإجراءات التركية التي تقوّض الجهود التي بذلتها اليونان وحلفاؤها في شرق المتوسط لعزل أنقرة. لكن، ما لبث الوفد اليوناني أن فوجئ بموقف الفريق التفاوضي المصري الذي قام بتوظيف الاتفاق البحري الذي عقد نهاية العام الماضي بين تركيا وليبيا للضغط على أثينا ودفعها لتقديم «تنازلات». وفقاً لمصادر يونانية، فإنّ الجانب المصري تسلّح بشكل غير مباشر بالاتفاق التركي - الليبي لمطالبة اليونان بالحصول على ٦٠ % من مساحة المنطقة الاقتصادية الخالصة المشتركة في مقابل حصول أثينا على ٤٠ % منها.
وكما شرحنا في مقال سابق هنا تحت عنوان «صفقة الترسيم البحري المصرية - اليونانية شرق المتوسط»، فإن الجانب اليوناني أوضح لوزيره أنّه حتى لو كان لديهم نيّة لقبول مثل هذه القسمة، فإن ذلك سيمثّل ضربة قاسمة لسرديّتهم القانونية مع تركيا في شرق المتوسط، وفي بحر إيجه وكذلك مع ليبيا. أمّا المشكلة الأخرى فهي أن القبول بتنازل تجاه مصر من شأنه أن يثير عاصفة سياسية؛ لأن ذلك سيرسل رسالة مفادها أنّنا مستعدون للتنازل أمام أي كان لكن ليس أمام تركيا.
بعض اليونانيين ممّن علّقوا على نتائج المفاوضات ذهب إلى القول إن التقنيين المصريين متأثرون بالإخوان المسلمين! وأنّ وزير خارجية مصر سامح شكري –بخلاف السيسي- متأثر بدوره كذلك بما يُقدّمه له الوفد التقني، ولا يريد أن يرى ربما الصورة الأكبر على حدّ قولهم. الجانب اليوناني يريد من مصر أن تكون جزءاً من الصراع مع تركيا، وأن تتّخذ وضعية تتناسب مع ذلك. لكن في حقيقة الأمر، ووفقاً لما يقوله بعض اليونانيين، فإن سلوك مصر يشير إلى أن مشكلتهم قد تكون شخصية فقط مع أردوغان، وأن مصالحهم مع تركيا قد تكون أكبر بكثير مما هي مع اليونان. وفي بحثهم عن مخرج لهذه المُعضلة، يقترح بعض الخبراء اليونانيين أن يتم تغيير التكتيكات التفاوضية وأن يجري تجاوز عقبة التقنيين من خلال القفز عن مستوى وزراء الخارجية، وأن يتمّ نقل الملف إلى رئيس الجمهورية السيسي ورئيس الوزراء اليوناني ميتسوتاكيس لتسويته على أن يكون ضمن رؤية أوسع تتضمّن تشكيل تحالفات عسكرية ضد تركيا في شرق المتوسط دون أن يتم إعلان هذا الهدف بشكل صريح، وأن تكون نواة هذا التحالف مصر واليونان وفرنسا، ويتم ضم الإمارات والسعودية إليها بشكل ما. مثل هذا الطرح يُعبّر بشكل صارخ عن حالة اليأس التي وصل إليها اليونانيون. وإن كان تحالفهم المنشود قائماً بالفعل بحكم الأمر الواقع، إلا أن الترسيم دونه عقبات من الصعب حلّها تحت غطاء معاداة تركيا.