الثلاثاء 18 رجب / 02 مارس 2021
 / 
02:00 م بتوقيت الدوحة

نصر الله لم يتغير فلماذا الاستغراب؟

إياد الدليمي
أستغرب كثيرا من أولئك المستغربين لموقف أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، مما يجري في سوريا، بعد أن أعلن دعمه الواضح ومنذ الرصاصة الأولى للنظام ضد شعبه، فعلا أستغرب ولا أستطيع أن أتخيل أن من يدعون أنهم كتاب ومثقفو الأمة مصابون بالذهول وعدم التصديق من هذا الموقف الذي اتخذه نصر الله وحزبه من موضوع الاحتجاجات في سوريا. ولعل بعضهم وصلت به حالة الاستغراب من موقف نصر الله، أن وصف بالجنون كل من كان يعتقد أن نصر الله سيتخذ موقفا مساندا للنظام السوري، بينما عقدت الدهشة لسان آخرين من مثقفي الأمة وكتابها، ما زالوا يتجنبون الحديث سواء عن نظام الممانعة والمقاومة السوري أو عن موقف زعيم حزب الله. أعتقد أن أي مثقف أو متابع منصف، ولا يقع بسهولة ضحية الخديعة والتضليل، كان يمكن أن يتوقع موقف نصر الله حتى لو لم ينطق والتزم الصمت، فاستعراضٌ سريع للحزب ومواقفه خلال السنوات العشر الماضية، وليس من لحظة التأسيس، يؤكد أن نصر الله ثابت على مواقفه ولن يغير قناعاته، وإنما كان على الآخرين أن يكونوا أكثر قدرة على قراءة وفهم هذه القناعات. لقد أعلنها صريحة نصر الله في لقاء تلفزيوني بث نهاية التسعينيات من القرن الماضي، بأنه جندي لنظام الولي الفقيه في إيران، وبعد الاحتلال الأميركي للعراق، ومجيء زمرة الأحزاب القادمة من إيران، كان بالإمكان ملاحظة أن الحزب وزعيمه التزموا الصمت تجاه الغزو، ومن ثم انتقل الصمت إلى موقف مؤيد للحكومات التي أنشأها الاحتلال والتي تميزت بطائفيتها المقيتة، وراح الحزب يستقبل ساسة المنطقة الخضراء، ناهيك عن إدانته للمقاومة العراقية التي كانت تستهدف الاحتلال الأميركي خاصة في السنوات الخمس الأولى من عمر الاحتلال، لا لشيء سوى لأنها مقاومة «سنية». بل أكثر من ذلك، لم يصرح نصر الله على كثرة ظهوره الفضائي، بوجود مقاومة عراقية إلا في العام 2008، وكان لا يتحدث سوى عن المقاومة الفلسطينية التي تمثلها حماس والجهاد والمقاومة اللبنانية التي يمثلها حزبه، وحتى عندما تحدث عن المقاومة العراقية في المرة الوحيدة والنادرة، طالبته الفصائل العراقية المقاومة التي رفعت السلاح بوجه الاحتلال الأميركي مباشرة بالتبرؤ من حكومة المنطقة الخضراء وميليشيات إيران ليثبت صدقيته، ولم يفعل طبعا. في حرب عام 2006، والتي خلقت لنصر الله شعبية في أوساط الشارع العربي، اعتقد البعض مخطئا أن هذا الحزب تجاوز عقدة الطائفية بعد هذه المعركة، خاصة أنه لمس تجاوبا كبيرا من قبل شعوب المنطقة «الغارقة وتتعلق بأية قشة»، غير أن واقع الحال كان خلاف ذلك، فلقد تبين فيما بعد أن هذه المعركة إنما كانت تمهيدا للسيطرة على الداخل اللبناني ليس إلا، وما جرى في مايو 2008 خير دليل، وما حكومة ميقاتي الحالية إلا نتيجة من نتائج 2008. وطبعا يرفض «عربنا» التصديق بأن هذا حزب طائفي وأنه قائم على أجندات إقليمية إيرانية صرفة، حتى جاءت الثورة السورية، لتسقط القناع وينكشف الوجه أمام الشعوب العربية البسيطة، ومن بعدهم المثقفون والكتاب الذين أقسموا بنصر الله وآمنوا به زعيما. نصر الله في خطابه الأخير غير المبرمج على حد تعبير مراسل الجزيرة، كرر ما قاله، وأشاد بالنظام السوري الجاد في الإصلاحات على حد قوله، ولم يتوقف للحظة، ولا مطلوب منه أن يتوقف، أمام الدم السوري، بل راح يعدد فضائل النظام وحسناته التي تجعله النظام المقاوم الوحيد بوجه إسرائيل. تتذكرون عندما سقط نظام حسني مبارك أمام إرادة المصريين، خرج نصر الله وألقى خطابا عاطفيا، متمنيا أن يكون بين هذه الحشود، ومن بعده خرج خطيب جمعة طهران، المرشد علي خامئني ليتحدث بالعربية مهنئاً المصريين على ثورتهم، وفجأة تغير كل شيء عندما خرج السوريون للمطالبة بحريتهم. لقد تحول الخطاب وانقلب في طهران وجنوب لبنان ليتحول السوريون إلى مندسين وخونة، وتصبغ ثورتهم بالعمالة لإسرائيل والغرب وجهات عربية أخرى، بل أكثر من ذلك، فلقد أرسل نصر الله ومن خلفه إيران المدد للنظام السوري حتى يبقى على قيد الحياة، لأنهم يدركون أن بقاءهم بهذه القوة من بقاء هذا النظام. يقول نصر الله إن سبيل الإصلاح في البحرين مغلق، وهنا نذكّر سريعي النسيان بموقفه من ثورة البحرين، عندما جيّش لها نصر الله إعلامه وحولها إلى واحدة من الثورات العربية التي ستغير وجه المنطقة، بل أكثر من ذلك راح يتوعد السعودية بإثارة القلاقل فيها رداً على إرسال قوات درع الجزيرة التي حمت البحرين من مخطط الاستيلاء الإيراني. هذا نصر الله، وهذه مواقفه، لم تتغير، فقط أزيلوا عن بصيرتكم قبل بصركم غشاوة الهتاف والتلميع والتقديس للشخصيات، فلعل واحدة من أبرز ثمار الثورات أنها أعادت من جديد إنتاج العقل العربي الجمعي، فلا أعتقد أن هناك من بات يؤمن بنصر الله وحزبه، إلا مكابر أو مخادع أو طائفي، ولا أعتقد أن هناك من ما زال يؤمن بضرورة وجود القائد الضرورة، فكل ثوراتنا العربية من تونس الياسمين إلى مصر إلى اليمن وليبيا وسوريا، كانت بلا زعامات. أعتقد أن فهم مواقف نصر الله وحزبه يساعد كثيرا في فهم الدور الإيراني في عموم المنطقة العربية. نصر الله لم يكن سوى نفسه، وكان منسجما معها، أنتم أيها المخدوعون عليكم أن تعيدوا حساباتكم وأن تعيدوا قراءة الواقع العربي بعيدا عن الأوهام والتضليل، فلا مقاومة في ظل غياب كرامة الإنسان، ولا ممانعة في ظل الخوف، فالأشجار لا تنبت في فنجان القهوة.

اقرأ ايضا