الثلاثاء 6 جمادى الآخرة / 19 يناير 2021
 / 
01:42 ص بتوقيت الدوحة

التعليم والرسالة المثقوبة

بثينة عبد الله آل عبد الغني

لم يكن لمجتمع حاجة لشيء أقوى من حاجته للعلم والتعليم والتربية، فالحضارات السابقة لم ترَ النور إلا يوم أصبح الإنسان قادراً على اكتساب العلوم والمعارف، فتطورت بتطورها وازدهرت.
وعليه ظل التعليم على مدار التاريخ ركناً أساسياً في التقدم المجتمعي، ومحركاً أساسياً في عملية النهضة والتطور الحضاري في العالم الإسلامي، ولا شك أن العالم العربي اليوم يعيش أزمة تعليمية تربوية، وتراجعاً حضارياً.. يحمل في سياساته وأنظمته رسالة مثقوبة، جعلت من التعليم مطية للمتفيقهين والمتفلسفين.. وتحول الخطاب فيه إلى خطاب مؤسسي يقوم على تمجيد الدور الذي تؤديه تلك المؤسسات التعليمية والتربوية.
وبكل أَسف، نجد أن الاتجاه التمجيدي السائد لدينا في العالم العربي تمخض عن متغيرات اجتماعية وفكرية وسياسة، أدت إلى خلق أزمة حضارية تربوية، فتكت بجذور الأزمة العربية الإسلامية وثوابتها «قرآنها ولغتها العربية». 
حيث فتحت المجال وشجعت كثيراً من الخبراء والمستشارين للتزاحم بتقديم خططهم وأنظمتهم التربوية والتعليمية على أنها هي الأفضل عالمياً، والأجود عربياً.
وقد باتت هذه القضية مكشوفة وظاهرة لمن يمتلك فقه الواقع ويستظهر عمق الأزمة وشدتها، حيث تمثلت الأزمة في: 
- الضغط على الدول لتغيير مناهجها بما يخدم أهداف تلك الفئة.
- وفي تغيير أنظمتها التعليمية واستراتيجياتها وخططها.
ونتيجة لتلك التحولات السياسية وتغيير الأنظمة، والمتغيرات الاجتماعية والفكرية، وآثارها الظاهرة على المجتمع، يبرز سؤال يطرح نفسه: لماذا غابت مواد الثقافة الفكرية في التعليم العام «علم الاجتماع - علم الفلسفة الإسلامية - علم النفس - ومناهج البحث»؟
مع علمنا بأنها غذاء لبناء الفكر النقدي والتربوي إذا توفر لها المعلم المحترف والمنهج المدروس، والتي بغيابها خلت الساحة من المفكرين التربويين القادرين على النقد، وغاب فيها الفكر النقدي الذي يسهم في عملية التطوير والنهوض بالمجتمع.
إن الاتكال على الخبرات الأجنبية في التعليم دون إخضاعها لمعايير ثقافتنا وثوابتنا وواقعنا بأصوله وقيمه، يؤدي إلى ثقب الرسالة التعليمية وفساد التعليم.
وفي ذلك أشار المفكر والفيلسوف ابن خلدون إلى أن أول ما يبدأ به في التعليم تعليم القرآن، حيث يقول: «صار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعده من الملكات، وسبب ذلك أن تعليم الصغر أشد رسوخاً وهو أصل لما بعده».
هذا إذا ما نظرنا إلى جذور المنظومة التعليمية التي تجعل من القرآن واللغة العربية الركيزة الأساسية التي تُبنى عليها العلوم الأخرى، سواء (العلوم الشرعية أو العلوم العامة أو العلوم الفكرية الفلسفية)، لتحقيق النمو الشامل في بناء الفرد وفق أهداف تربوية محددة تخضع للفحص والتدقيق من قِبل أهل الخبرة والاختصاص، خاصة في ظل الثورة المعلوماتية والتطور العلمي.
والنقطة الأخرى والأهم هي ما أشار إليه ابن خلدون أيضاً في أنه: «ولا ينبغي للمعلم أن يخلط مسائل الكتاب بغيرها، حتى يعيه من أوله إلى آخره، ويرتقي بالمتعلم من علم إلى علم، فتكون العلوم خادمة لبعضها البعض»، وهذه إشارة إلى حشو الحقيبة التعليمية بمعلومات ومعارف لتمرير قيم المجتمع دون النظر إلى عملية البناء المحكم.
وأشيد بما ذهب إليه ابن خلدون إلى أن المنظومات التعليمية أضرت بالتعليم أكثر مما أفادته، حتى أصبح المتعلمون ضحية لها، حيث أضرت بذائقتهم الفنية وتوجهاتهم الفكرية، وأسهمت في هدر كثير من الطاقات والأموال.
وأخيراً.. نؤمن جميعاً بغدٍ أفضل وتعليم أجود.

اقرأ ايضا

صناعة التعليم

10 أكتوبر 2020

بين تعليمين (1)

17 أكتوبر 2020

التغلغل الناعم

31 أكتوبر 2020