الخميس 15 جمادى الآخرة / 28 يناير 2021
 / 
04:35 ص بتوقيت الدوحة

تفجيرات بروكسل واستخداماتها الخارجية

عبدالوهاب بدرخان
التفجيرات الإرهابية في بروكسل جعلت الإعلام الأوروبي يقترح، للمرّة الأولى، توقّع أحداث كهذه والاعتياد عليها كأنها الشيء «الطبيعي الجديد» في الحياة اليومية، ولم يخفف هذا من وقع الصدمة في العاصمة الأوروبية، ولا من استثنائية الحدث ومأسويته، ثم إنه لن يمنع الحكومات والمواطنين من رفض هذا «الواقع» الذي يراد فرضه عليهم، بل إن ما يرفضونه فعلاً هو أن يُسمح بتكرار جرائم كهذه، لمجرد أن هناك عصابة تعيش بينهم وتتلقّى تعليمات من تنظيم «داعش»، أو بالأخصّ؛ لأن الأجهزة الأمنية أخفقت وارتكبت أخطاء واستهانت بما لديها من معلومات، مرّة أخرى، بعد هجمات باريس (13 نوفمبر 2015)، تجد السلطات نفسها مطالَبَة بالتصرّف أبعد مما تسمح به القوانين، من قبيل الأمن الوقائي، فأحد الأهداف التي فكّر فيها الإرهابيون كان محطة نووية.
كانت للحدث، في إطار «عاديته» و»طبيعيّته»، استخدامات شتّى، فغداة مهاجمة المطار ومحطة المترو في بروكسل برزت دعوات إلى توحيد جهود العالم ضد الإرهاب، كان الرئيسان الأميركي والتركي الأعلى صوتاً في هذا المجال، ولو من منطلقين مختلفين، الأول بحكم القيادة الأميركية لـ»التحالف الدولي» ضد «داعش»، والآخر؛ لأن بلاده تتعرّض لهجمات إرهابية متكررة هي الأكثر شراسة لكنها لا تحظى بالتعاطف والتضامن كما هي الحال بالنسبة إلى بروكسل أو إلى باريس قبلها، وبالطبع هناك الاستخدامات المزايدة، فوزير الخارجية الروسي دعا دول الأوروبيين إلى العمل مع روسيا لمنع الإرهابيين من السيطرة على «قارتنا المشتركة»، أما وزير الدفاع الأميركي فرأى أن التفجيرات ستوضح للأوروبيين «أنهم بحاجة إلى تسريع جهودهم للانضمام إلينا»، والغريب أن الاعتقاد السائد عالمياً هو أن الأوروبيين منخرطون في «التحالف» الأميركي، غير أن آشتون كارتر يوحي بالعكس، إلا إذا كان يريد بتصريحه الردّ على سيرجي لافروف الذي حثّ الأوروبيين على تجاوز «الألاعيب الجيوسياسية»!
ثمة أيضاً استخدامات انتهازية تكاد تلامس التشفي والشماتة، من ذلك مثلاً قول «حزب الله» اللبناني، في معرض «إدانته» الهجمات الإرهابية: إن النار التي تكتوي بها أوروبا خصوصاً والعالم عموماً «هي نفسها النار التي أشعلها بعض الأنظمة في سوريا وغيرها من دول المنطقة».
وقد لجأ النظام السوري إلى الحجّة ذاتها، إذ قال: إن هذه الاعتداءات نتيجة حتمية لـ»السياسات الخاطئة» ولـ»التماهي مع الإرهاب وتشريعه عبر وصف بعض المجموعات الإرهابية بالمعتدلة». وكان نظام دمشق ربط أيضاً هجمات باريس بسياساتها «الخاطئة»، مكرراً اسطوانة «الدول الداعمة للإرهاب» التي يستعملها دائماً للدلالة إلى الدول التي تدعم المعارضة.
تبقى الاعتبارات الأمنية هي الأهم في اللحظة الراهنة، خصوصاً مع انكشاف الضعف البلجيكي الذي وجّه إليه لومٌ مباشر في تسهيل هجمات باريس، كما يلام اليوم على التقصير الاستخباري في الكشف الاستباقي لخلايا «داعش»، ومن هذه النقطة انطلق جدل بريطاني حاد حول الخطر الذي باتت بلجيكا تشكّله على الأمن الأوروبي، ليمّتد إلى الجدل البريطاني الآخر حول العلاقة مع الاتحاد الأوروبي بين مَن يؤكد أن الخروج من الاتحاد سيعود بـ»مكاسب أمنية» ومن يجزم بالعكس تماماً، ولكل من الطرفين ذرائعه، وفي ذلك ما يشير مجدّداً إلى أن الإرهاب لم يعد استثناء عابراً بل أصبح سياقاً، وقد تُبنى عليه خيارات استراتيجية.