الإثنين 5 جمادى الآخرة / 18 يناير 2021
 / 
03:44 م بتوقيت الدوحة

القاعدة والثورة السورية

إياد الدليمي
منذ وقت ليس بالقصير، دخل عنصر جديد في تحليلات وقراءات بعض المتابعين للشأن السوري، حيث بات اسم القاعدة، أو العناصر الإسلامية من غير السوريين، يتردد بكثرة بين جنبات تلك التحليلات والقراءات، بل وصل الأمر إلى أن بعض الصحف الغربية صارت تتحدث عن قيادات قاعدية دخلت إلى سوريا لقتال النظام السوري. وربما ستكون الأيام القليلة المقبلة حافلة بالكثير من مثل هذه التحليلات، خاصة أن انشغال الولايات المتحدة الأميركية بالانتخابات الرئاسية، سيشغلها حتما عن الثورة السورية والقمع الأسدي، رغم أنها لم تكن، على ما يبدو، مشغولة كثيرا بهذا الهم السوري، حتى وإن حاولت أن تمثل ذلك. إن المتأمل لأحوال الثورة السورية التي بدأت في مارس من العام 2011، يجد أنها ثورة لا تشبه كل الثورات، ربما لأنها ولدت في بلد لا يشبه كل البلدان وبين ثنايا نظام غريب، ووسط تعقيدات جيوسياسية، أقل ما يقال عنها إنها معقدة للغاية، وغير قابلة للفهم في مرات أخرى. هذه الثورة التي كانت سلمية، وباعتراف بشار الأسد، حتى رمضان من العام الماضي، أي بعد نصف عام بالكامل، بدأت تشعر بالخذلان، خذلان الصديق والشقيق قبل الغريب، وبدلا من أن تجد عالما عربيا ودوليا يقف مع أبناء هذا الشعب المسكين، صارت تلمس كل تخاذل وخيانة وغدر وتزييف. سعت الثورة السورية منذ يومها الأول لتكون ثورة كل الشعب بغض النظر عن الطائفة أو العرق أو الأيدلوجية، كما أنها سعت لتكون ثورة مدنية بعيدا عن أي تعصب ديني أو مذهبي أو عرقي، ونجحت إلى حد كبير، وبرهنت للعالم أجمع أن الظلم الذي تعرض له هذا الشعب على يد هذه الطغمة الحاكمة، يمكن أن يكون مدخلا ليوحد كل فئات الشعب. ولكن مرة أخرى تعرض الشعب السوري إلى الخيانة، فلقد تخلى عنه العالم، كل العالم، ترك وحيدا بمواجهة أعتى آلة قتل وتدمير، مدعومة من إيران وحزب الله وحكومة بغداد الطائفية، ومن خلفهم روسيا والصين. وأيضاً كانت هذه الآلة الدموية التي ركبها بشار الأسد، مدعومة من العالم الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، التي ظلت تراوغ وتماطل في تعاطيها مع الأزمة السورية، وكأنها تقول إننا لن نتدخل حتى نجد سوريا أثرا بعد عين، وكل ذلك لأجل عين إسرائيل، التي على ما يبدو وجدت في بشار الأسد، كما وجدت من قبل في أبيه، ضالتها، فآلة القتل التي دشنها والده واستورثها بشار، كانت كفيلة بالنسبة لإسرائيل لتسكت وتُسكت العالم من خلفها، وصولا إلى تدمير سوريا. وسط كل هذا الكم الهائل من الشعور بالخيانة والإحباط الذي يعاني منه الشعب السوري، كان هناك دعم بشري محدود، وعلى نطاق ضيق من قبل عرب ومسلمين، وجدوا أنفسهم في مواجهة مع ذواتهم التي تأنف الضيم، وجدوا أنفسهم لا يملكون سوى مناصرة الشعب السوري بأرواحهم، فتوجهوا إلى هناك، بدوافع دينية ووطنية وعروبية، فتحول هؤلاء إلى «قاعديين». كل من يعتقد أن القاعدة، كفكر وليس كتنظيم، يمكن أن تكون بعد كل هذا الخذلان الدولي والعربي، بعيدة، سيكون مخطئا. إن استمرار القتال في سوريا كل هذه الأشهر، كفيل بنمو وترعرع أفكار متطرفة، وكفيل بأن تجد القاعدة وأخواتها من الحركات الجهادية، مرتعا خصبا لها. إن حجم الظلم الذي يتعرض له الشعب السوري، قد يجعله في لحظة ما يفقد بوصلته، وقد تجعله في لحظة ما يفكر في كل الحلول التي يعتقد أنها تخليه من عنت هذا النظام، وبالتالي فإن وجود فكر متطرف بين عناصر الثورة السورية، لن يكون بدعا أو شيئا غير قابل للتصديق. فالعالم المتخاذل الجبان المنافق، هو من ترك لأفكار قاعدية أو متطرفة تنمو وتكبر هناك، وكلما طال أمد القتال في سوريا، كلما كان ذلك أدعى لوجود مثل هذه الأفكار. قد تفكر إسرائيل بأنها في تأخير الحل بسوريا، ستنجح في تدمير هذا البلد، وبالتالي فلن يكون بإمكان أية حكومة تأتي عليه بعد بشار أن ترفع رأسها قبل نصف قرن، قد يكون هذا الأمر صحيحا، ولكن الصحيح أيضاً، أن إسرائيل لن تكون بمنأى عن سوريا ما بعد الأسد، سوريا التي قد تكون ساحة لفوضى سلاح لا يعرف مداها إلا الله. عندما يتحدث العالم المنافق عن وجود للقاعدة في سوريا، عليه أن يسأل نفسه من الذي أتى بها؟ عليه أن يسأل نفسه، كيف تسلل فكر القاعدة الذي يناقض طبيعة السوريين المتسامحة؟ وبما أن الجميع تخلى عن السوريين، وكتب فصلا من فصول ثورتهم الدامية، فإن على الجميع أيضاً أن يتحمل تبعات ذلك.

اقرأ ايضا