السبت 22 رجب / 06 مارس 2021
 / 
03:33 م بتوقيت الدوحة

الشرق الأوسط الجديد.. متى يولد؟!

أحمد حسن الشرقاوي
المتابع لما يحدث فى منطقتنا، سوف يكتشف أن السنوات الأخيرة تحمل بذور مولد مشهد جيوسياسي مختلف تماماً عما قبله، يكفي النظر إلى عملية «نبع السلام» التي يقوم بها الجيش التركي فى شمال شرق سوريا، لندرك مدى وحجم التغيير الكبير في سياق المشهد الشرق أوسطي ككل.
ولا أبالغ إذا قلت، إن ترتيبات ما بعد انهيار النظم الاستبدادية في المشرق العربي والإسلامي بدأت بالفعل، وإن رد الفعل الكبير من جانب القوى الكبرى المنخرطة مباشرة في إدارة شؤون المنطقة يمثل التعبير الأبرز عن رغبة الجميع في تطويق تحرك «الدولة السنية» الأقوى عسكرياً، لوضع موطئ قدم لها في تلك الترتيبات لصيانة مصالحها كدولة كبرى، ولحماية مواطني المنطقة من العرب السنة.
ولم يكن أمراً مستغرباً أن يصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاتفاق الذي أبرمه مع نظيره الروسي في منتجع سوتشي الثلاثاء الماضي، بأنه «تاريخي»، وحتى نفهم ما يحدث نحتاج أن نعرج على بداية الحكاية.
البداية كانت عندما حصلت معظم بلدان المنطقة على استقلالها الشكلي عن الاستعمار التقليدي في أعقاب الحرب العالمية الثانية «1939-1945»، أجدادنا -وربما آباؤنا- طالبوا الاستعمار بأن يحمل عصاه ويرحل، لكن الاستعمار ترك عصاه أو مصالحه لدينا قبل أن يرحل، لتكون بمثابة «مسمار جحا» الذي يتحجج به لاستمرار سيطرته على مواردنا وثرواتنا.
ظلت معادلة التبعية الفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية للغرب سارية منذ ذلك الوقت وحتى الآن، معتمدة على طبقة من الحكام تدين بوجودها في السلطة للغرب، ونخب سياسية واقتصادية ترتبط مصالحها مباشرة في البلدان التابعة مع مركز الغرب المسيطر اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً على منطقتنا.
الدول الغربية لعبت وتلعب على كافة التناقضات الموجودة في الشرق الأوسط لتحقيق أهدافها، وضمان أمن حليفتها الكبرى في المنطقة «إسرائيل»، ورغم أن المنطقة شهدت العديد من الحروب في إطار الصراع العربي-الصهيوني، والحرب العراقية-الإيرانية، وغزو العراق وأفغانستان، غير أن التغييرات في السنوات الأخيرة في موازين القوى والتفاعلات بين أطراف المعادلة الإقليمية والدولية، جعلت الجميع يفكر كثيراً قبل اللجوء إلى الحل العسكري للقضاء على الخصوم.
وتقول مجلة الشؤون الخارجية «فورين أفيرز» الأميركية في عددها الأخير: «إن نُذُر الحرب التي تلوح على نحو كبير في منطقة الشرق الأوسط تبدو أنها حرب لا يريدها أحد، فقد ندّد دونالد ترمب خلال حملته الانتخابية بمسألة تورُّط الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط، ولم تتغير لهجته حول الأمر حتى بعد توليه منصب الرئاسة، أما إيران من جهتها، فليس لديها مصلحة في اندلاع نزاع واسع النطاق لا تستطيع الانتصار فيه، في حين أن إسرائيل -رغم رضاها عن تنفيذ عمليات محسوبة في العراق ولبنان وسوريا وغزة- تبدو متخوفة من اندلاع مواجهات أكبر تُعرّضها لاستقبال الآلاف من الصواريخ، والسعودية بدورها مصمّمة على التصدي لإيران لكن دون أن تضطر إلى مواجهتها عسكرياً».
وتصل المجلة إلى خلاصة مفادها، أنه على الرغم من هذه المواقف، «يمكن القول إن اندلاع حرب شاملة في الشرق الأوسط ما زال مستوفياً لشروطه أكثر من أي وقت آخر في التاريخ الحديث»، لذلك ربما يمكن تفسير الحذر الدولي من التعامل بخشونة مع عملية «نبع السلام» التركية في شمال شرق سوريا، خصوصاً أن تركيا كان لديها الجرأة والتصميم للمضي قدماً في عمليتها العسكرية للحفاظ على أمنها القومي، وهي أسباب سيقت من دول أخرى وكانت وراء اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية.
الشرق الأوسط تغير ويتغير، والقوى الإقليمية الكبرى في المنطقة «تركيا وإيران وإسرائيل»، تعيد تموضعها لتعظيم مكاسبها أو للحفاظ على مصالحها، وتكسب أرضاً كل يوم، وأميركا-ترمب غير راغبة في الاستمرار في حروب عبثية، وروسيا-بوتن تطمح لوراثة الدور الأميركي، والعرب يكتفون بدور «المفعول به» الذي ينتظر الفعل دائماً من الآخرين.