السبت 22 رجب / 06 مارس 2021
 / 
02:08 ص بتوقيت الدوحة

إذا خذَلَنا الحكامُ فأين الشعوب؟

د. محمد عياش الكبيسي
في ملحمته التاريخية التي يسطرها على أرضه وترابه، خرج الشعب السوري هذه الجمعة ليصارح أمته العربية والإسلامية من محيطها إلى محيطها: «إذا خذلنا الحكام فأين الشعوب؟». هذا الشعار لم يكن صرخة غاضبة من أم مفجوعة، ولا لافتة صغيرة من الورق يحملها طفل في حمص أو إدلب، إنها «جمعة» اتفق عليها الشعب السوري في كل مدينة وقرية وشارع وزقاق، فهي إذاً موقف عام ونقطة هامة في خط الثورة السورية المتصاعدة. وإننا كشعوب مقصودة بهذا الخطاب أو العتاب حرام علينا ألا نرتقي إلى مستوى الوجع السوري بل ومستوى الجدية في هذا الخطاب أو العتاب. إن الشعب السوري الذي قرر اليوم أن يخاطبنا بهذه اللغة الفصيحة البليغة يدرك أننا قادرون على أن نفعل، وأننا لسنا عاجزين إلى هذا الحد، هكذا يظن السوريون بنا فهل نحن كذلك؟ يذكر السوريون كيف خرجت الأمة في الكثير من العواصم لتحاصر السفارات الدنماركية احتجاجا على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وكيف تشكلت لجان المقاطعة الفاعلة لكل ما هو دنماركي، ويذكر السوريون أيضا وقفة الأمة الرائعة إبان العدوان الصهيوني على غزة، وليس بعيدا أيضا أحداث مدينة بنغازي الليبية والتي دعا فيها الشيخ القرضاوي صراحة إلى قتل القذافي. السوريون يتذكرون هذا وغيره وهم يتساءلون: لماذا نحن فقط؟ لماذا نحن فقط لا نحظى بمثل هذا التأييد والتعاطف؟ هل دماؤنا أرخص من دماء إخواننا؟ هل مساجدنا أقل شأنا من مساجد غزة أو مسجد البابري في الهند؟ هل التعذيب في سجون الأسد أقل وحشية من سجن أبي غريب وسجون الاحتلال الصهيوني؟ وللأمانة فالسوريون وهم يتساءلون كل هذه الأسئلة ينطلقون من تاريخ مشرّف يعطي للوم والعتب لونا آخر، فالسوريون لم يقصّروا في كل قضايا الأمة، فالنخوة العربية والإسلامية تجري في دمائهم، وإذا نسيت فلن أنسى معركة المطار التي أبلى فيها الشباب السوري بلاء لا تحتمله الجبال وهم يواجهون مع إخوانهم قوة المارينز المندفعة باتجاه بغداد، أما موقفهم من القضية الفلسطينية فهذا سجل لا ينتهي، وتحت هذا العنوان أيضا كانت صور حسن نصر الله تنتشر في الشارع السوري أكثر من أي شيء آخر! قبل أن يصطدموا بحقيقة نصر الله ومشروعه المشبوه. وللإجابة عن كل تلك الأسئلة لا بد من توصيف الحالة السورية وبيان خصوصيتها في خارطة الجغرافيا السياسية «الجيوبوليتيك». فسوريا على خلاف كل محطات الربيع العربي تقع في صلب المنجل أو «الهلال الشيعي»، حيث تمثل «قم» المقبض القوي لهذا المنجل، بينما تمثل «البحرين» و «لبنان» طرفيه الواسعين، أما بغداد ودمشق فهما الأسنان الحادة في هذا المنجل، بينما لا تمثل «مكة والمدينة» إلا الحصاد المنتظر. لم تكن صورة هذا المنجل واضحة لدى الكثير من المثقفين والسياسيين، لكن انحياز إيران وحكومة المالكي وحزب الله بهذا الشكل الفج للنظام السوري أسهم بإحداث حالة جديدة من الوعي لكنها ما زالت دون الفعل المؤثر. هذا المنجل الذي مضى عليه حين من الدهر وهو يعمل دون أن يثير شيئا في هذا الجسد الكبير والمتمدد من «جاكرتا» إلى «نواكشوط». لقد كنا نصم آذاننا عن صرخات إخواننا من أهل السنة في إيران والمحرومين من أبسط حقوقهم، والذين لا يسمح لهم ببناء مسجد واحد لهم في طهران، وصور الشباب السنّي المعلّقين على أعواد المشانق تتناقلها مواقعهم دون اكتراث من أحد. نعم، لقد كنا نصم آذاننا ونغمض عيوننا أيضا عن هذه «الفتنة الطائفية» التي تحاول أن تشغلنا عن العدو «الصهيوصليبي» حتى حط الأميركان رحالهم في بغداد الرشيد وبمساعدة «الولي الفقيه» وأصابعه وأدواته التي أعدها بعناية فائقة لهذا اليوم. وبينما كانت الأمة تبكي دما على سقوط بغداد، كانت العمائم السوداء تتبادل التهاني والقبلات الحارة مع بريمر وجنوده «الصليبيين»، وبينما كانت القاذفات الأميركية تدك مساجد الفلوجة، كانت الميليشيات الطائفية تحرق المساجد في بغداد، حيث تم حرق مائة وثمانين مسجدا في غضون ثلاثة أيام فقط. إلى هذه اللحظة يصر سليم العوا المرشح «الإسلامي» لرئاسة مصر ومعه عدد غير قليل من الكتّاب «الإسلاميين» على أن الفرق بيننا وبين هؤلاء كالفرق بين الشافعية والحنفية، وأنه لا ينبغي صرف أذهان الأمة بهذه الإشكالات «الصغيرة» عن همومها و «قضاياها الكبيرة». وقد وصل الأمر إلى حد التبرير لزيارة أحمدي نجاد والذي وصل إلى مطار بغداد بحماية المارينز ودباباته «الديمقراطية»، بينما لم يجرؤ زعيم عربي واحد أن يزور بغداد في ظل الاحتلال مهما كانت علاقته مع الطرف الأميركي. والمسلسل ما زال مستمرا، فكوفي عنان أيضا يصرح قبل يومين أن المشكلة السورية لا يمكن حلها دون مشاركة فاعلة من الطرف الإيراني! فإيران ليست جزءا من المشكلة السورية بقدر ما هي جزء من الحل! هكذا بالضبط تعامل «المجتمع الدولي» مع المشكلة العراقية. وبعد أن قدّم الأميركان كل خسائرهم المادية والمعنوية والبشرية، هاهم يخرجون بعد أن اطمأنوا تماما على أن العراق أصبح خاضعا بشكل كامل لعباءة الولي الفقيه، وبعض فقهائنا ما زالوا يأملون في إيران أن تقف معهم بوجه المشروع الأميركي! أذكر في مقابلة لي مع «حسن نصر الله» وبحضور عدد من علماء السنّة في لبنان الذين توسطوا من أجل تخفيف الاحتقان الطائفي في بغداد، حينها سألته عن موقفه الداعم للحكومة العراقية المتحالفة مع الاحتلال الأميركي فقال: أنا أكلمك كلاما فقهيا وليس سياسيا. نحن مرتبطون بعهد ديني مع الولي الفقيه، وهو الذي يقول لنا: قاوموا في فلسطين ولبنان، ولا تقاوموا في العراق ولا في أفغانستان! قلت: هل يمكن أن نفهم الوجه الفقهي لهذه التوجيهات، قال: نعم، هناك «إيران الدولة» والتي ترى من مصلحتها أن تستثمر كل التغيرات القريبة منها، وهناك «إيران الثورة» والتي ترى من مصلحتها دعم المقاومة في فلسطين ولبنان. وهذا يعني أن المنجل الإيراني بحاجة إلى غطاء من الشرعية الدينية والأخلاقية ليمارس عمله مع شيء من الحقن المخدرة والمهدئة، فالمساعدات الإيرانية لحركات المقاومة الفلسطينية ليست لعيون الفلسطينيين، وإنما لو لم تكسب إيران إلا تحييد الفلسطينيين في هذه المعركة لكفى، فكيف إذا حظي هذا المنجل بمباركة المجاهدين والمقاومين الكبار! نعم إن إيران الثورة بحاجة إلى هذه الأصوات أكثر بكثير من حاجة هذه الأصوات لها. ومن ثم فإن الخاصرة الإيرانية الرقيقة والتي تمثل الثغرة المناسبة للضغط الشعبي إنما هي في نزع هذه الشرعية، والمطلوب هنا بشكل واضح وصريح أن تقول الشعوب العربية والإسلامية لإيران ولحكومتها في بغداد: إن دعمكم للنظام السوري سيكلفكم الكثير. إن هذه الشعوب سترفضكم بل وتحاصركم، وإن تصدير الثورة سيتوقف لأن هذه الثورة هي التي طعنتنا في عقيدتنا وتاريخنا وهويتنا ثم طعنتنا في نسائنا وأطفالنا. إن الواجب الديني والأخلاقي على المقاومة الفلسطينية والمقاومة العراقية أن يكونوا أكثر صراحة في التعبير عن حقيقة الموقف الإيراني ومنجله المسنون في المنطقة، وفضح الملفات العلائقية المشبوهة والتي من شأنها أن تنزع ثوب الشرعية عن هذا المشروع الأثيم. إن غزة والفلوجة برقبتيهما دين ثقيل للشعب السوري، وهما الأقدر اليوم على قيادة الشارع العربي والإسلامي وإبطال كل الشعارات التي يرفعها النظام السوري وحلفاؤه في الصمود والممانعة، وأن المساعدات والتسهيلات التي كان النظام يقدمها لهذه المقاومة أو تلك ستكون عبئا أخلاقيا ثقيلا، خاصة بعد ما انكشفت الدوافع الحقيقة لتلك المساعدات والتسهيلات، مع أن التغيير القادم -بإذن الله- في سوريا الحبيبة سيصب في خدمة العراق وفلسطين وتعزيز الهوية العربية والإسلامية في الأمة كلها. إن وقفة شعبية على طول العالم العربي والإسلامي وعرضه تقودها المقاومة نفسها كفيلة بأن تجعل الولي الفقيه يراجع سياساته، وربما تكون هذه المراجعة هي البداية لإحداث نوع من التوازن أو التفاهم المطلوب لاستقرار المنطقة، خاصة بعد صعود التيار الإسلامي في أكثر من بلد عربي، فليكن هذا التيار الأداة الأقوى للوصول إلى حالة التوازن والتفاهم هذه، لا أن يكون أداة من أدوات التخدير أو فاتحا للشهية الإيرانية في التمدد والاستحواذ على أرضنا وسمائنا وتاريخنا ومستقبلنا. ويكفي هنا أن نتذكر أن جنود الولي الفقيه في العراق قد دعوا صراحة إلى تشكيل الجيش المليوني تحسبا لانتصار الثورة السورية، وفي هذا من الدلالات والإشارات ما لا يمكن تجاوزه. إنهم يعرفون بالضبط من يقاتلون ولماذا.