السبت 10 جمادى الآخرة / 23 يناير 2021
 / 
04:14 ص بتوقيت الدوحة

«أيرز» يرسم تفاصيل جديدة لحصار غزة ويعمّق الانقسام

رضوان الأخرس
منذ انتهاء العدوان الأخير على قطاع غزة صيف عام 2014 تمحورت وتركزت فكرة الحصار «الإسرائيلي» حول نقاط لها أبعاد اجتماعية واقتصادية تنخر بصمت في نسيج المجتمع الغزي.
حيث تعتمد الفكرة الحالية للحصار بشكل أساسي على فكرة الانقسام وتعمل على تعميقه ليتجاوز الحالة السياسية إلى زوايا اجتماعية واقتصادية.
فيتعمد الاحتلال تقريب فئة وتسهيل أمورها وتذليل بعض العقبات أمامها وهو فعلياً لا يعطيها إلا ما هو حق طبيعي لها، في حين يحارب ويمنع أية سبل للحياة الكريمة عن الفئة الأخرى ولو استطاع لمنع عنها الهواء وهي متقاربة في جانب مع ذات السياسة الفرعونية الجائرة التي عانى منها حتى بنو إسرائيل في زمن غابر.
وهذه الفئات يقسمها الاحتلال تقسيمات أخرى غير التقسيمات السياسية لها علاقة بالمكانة الاجتماعية وبشكل أساسي على المكانة الاقتصادية داخل المجتمع، وإن كانت الأولى قرينة الثانية في غالب المجتمعات.
ويهدف من خلال ذلك إلى تمزيق الممزق وتفتيت المتفتت وأهم أدواته لتحقيق ذلك المراد هو معبر بيت حانون «أيرز» والذي يقع شمال قطاع غزة ويربط القطاع بالضفة الغربية ومدن الداخل الفلسطيني المحتل.
ومن خلاله يتحكم الاحتلال بنوعية وطبيعة الأشخاص الذين يمكنهم السفر فيسمح ويمنع كيفما يشاء يساعده في ذلك بشكل أساسي وناجز إغلاق (معبر رفح) البري الذي كان بوابة قطاع غزة الوحيدة إلى العالم.
وقد كان معبر بيت حانون مغلقاً فترة ما قبل العدوان الأخير لسنوات طويلة ولم يكن يتم فتحه إلا لمرور الوفود الأجنبية وبعض كبار المسؤولين الذين يزورون القطاع.
أما الآن فهو مفتوح وعليه حركةٌ نشطة وتصدر تصاريح السفر غالباً للأشخاص الذين يحملون جنسيات أخرى غير الفلسطينية بشكل أساسي والشخصيات الحكومية والمسؤولين المحسوبين على رئيس السلطة محمود عباس وفئات أخرى من المجتمع خصوصاً تلك التي ليس لها أقارب معروفين من الأسرى أو الشهداء أو المقاومين «أي ليس لهم سجل أمني عند الاحتلال» وهؤلاء غالباً هم الأقلية في المجتمع الفلسطيني وفئة أخرى هي التجار.
وليس كل التجار متاحا لهم السفر فقد اعتقل الاحتلال عدداً من كبار تجار قطاع غزة حتى من الذين صدرت لهم تصاريح سفر والتهمة كالعادة استيراد مواد وبضائع تساعد حماس وجناحه العسكري وغيرها من فصائل المقاومة في أعمالها.
غير أن فرضية الاحتلال هذه تبقى هزيلة وفضفاضة؛ فالورقة من الممكن أن تدخل تحت هذا الاتهام بذريعة أن «حماس» من الممكن أن تستخدمها في كتابة بياناتها ومراسلاتها، وإنما كان الغرض من هذا الإجراء إيصال رسالة لكل من له علاقة بالمقاومة حتى ولو من بعيد.
وهنا نحن أمام قضية تمس أبعاداً مفصلية داخل النسيج المجتمعي وإن استمرت ستترك نتائج سلبية خطيرة داخل بنية هذا النسيج، حين تستشعر فئة -وهي الأغلبية المؤيدة للمقاومة- بالمظلومية بينما هناك فئة أخرى مصطنعة لا تشعر بذلك، والأخيرة دخيلة على المعادلة لم تكن واضحة البتة سابقاً وإلى الآن لكن بدأت إرهاصاتها.
فإن حدثت مواجهة نتيجة هذا الاستفزاز الإسرائيلي والواقع غير المستقر فلا هو معركة ولا هو حل، ستبدأ الفئة المصطنعة بالحديث داخل نفسها أن لا علاقة لها بما يجري وأنها تدفع أثمان مواجهات لا دخل لها به وربما يخرج الحديث إلى خارج مكنونات النفس.
وهنا يطمح الاحتلال بتحقيق إنجازين ذوي بعد استراتيجي: الأول هو إفقاد المقاومة شيئاً من حاضنتها الشعبية الواسعة، والهدف الآخر حرف مسار المعركة في فلسطين عن غايتها الأساسية لتأخذ غاية اقتصادية بانحراف نسبي عن غاية التحرر الأساسية.
غير أن هذه الغاية -الاقتصادية- وحتى لا نكون مثاليين أكثر من المعقول، ليست بدعاً من بدع الزمان ولا السياسة؛ فأكثر الحروب المعاصرة ذات أبعاد أو دوافع اقتصادية بالإضافة للدوافع الأخرى، وقد أجاز الفقهاء والمشرعون أن يقاتل الإنسان لأجل تحصيل قوت يومه فما بالك لو كان هذا القوت حقا ممنوعا أو مستلبا. إن ما سبق ذكره يفتح الباب في قطاع غزة على مزيد من الاحتمالات التي لا يُستثنى منها المواجهة الصعبة، كذلك فإن أطروحات الحل قائمة، فما زالت المقاومة تحتفظ ببعض أوراق القوة وأهمها الجنود المأسورين لديها، وما زال الاحتلال يعاني من آثار الحرب سواء تلك الآثار العسكرية، السياسية والنفسية، ومن البدهي أنه بحاجة للأمن والاستقرار ويحاول كما تحاول غزة تجنب مواجهة طويلة ربما تكون أصعب من سابقتها بكثير، وربما تبدأ من حيث انتهت المعركة الأخيرة.
هذا يسترعي ضرورة تكثيف الجهود من أجل كسر حصار غزة وفتح معابره دون قيود وتفعيل الميناء أو ممر مائي لسكانه على أقل تقدير، وضرورة تجاوز العثرات التي يتعذر بها الاحتلال، بل وضرورة تجاوز هذه الأدوات التي تصنع العوائق حتى تتنفس هذه المدينة المخنوقة المظلومة الصعداء.