الخميس 18 ربيع الثاني / 03 ديسمبر 2020
 / 
09:31 ص بتوقيت الدوحة

الكورونا وتغيير السلوك في رمضان

د. مأمون مبيّض
يقال بأن أعقد مخلوق في هذا الكون هو عقل الإنسان ودماغه، ومن جوانب تعقيده طبيعة الأعمال والوظائف والأوامر الكثيرة التي تجري في الدماغ من الأفكار والمشاعر والعادات والسلوكيات والكلمات والذكريات...
ومما تهتم به العلوم النفسية المختلفة موضوع تغيير السلوك وتعديله، كعادات ونمط حياة، حيث قد تتأصل عند الإنسان بعض العادات وأنماط الحياة اليومية، والتي تصبح مع الوقت سجنا يكبلُ صاحبَه، ويمنعهُ من ممارسة حياته بشكل طبيعي بعيداً عن هذه العادات والأنماط.
كلنا نعلم بأن الإنسان يرغب أحيانا بتغيير سلوكه للأصلح، إلا أنه قد يعجز أو يضعف عن القيام بهذا التغيير، فماذا يا ترى؟ 
من المعروف أن الإنسان قد يتحكم به سلوك معين يكررّه حتى يصبح عنده "عادة"، فقد يعتاد مثلا أن يأكل في ساعة معينة، وينام في ساعة محددة، ويشرب القهوة أو غيرها متى شاء، وربما أصبحت عنده بعض السلوكيات السلبية "عادة" يعتقد بأنه لا يستطيع الاستغناء عنها أو حتى تغييرها.
ويبقى تغيير العادات من أصعب الأمور، لأنه أصبح لها في دماغ الإنسان ارتباط عضوي فيسيولوجي، وليس مجرّد شيء نظري مجرّد. 
ولهذا نرى أنه ليس من السهل تغيير السلوك، وخاصة الذي تكرر فأصبح عادة، وبالتالي فكل المحاولات المتسرعة لتغيير هذا السلوك والعادات، أو كثير منها، الغالب أن مصيرها الفشل، ولهذا يحاول الكثير من الناس الإقلاع عن عادة أو عمل معين، إلا أنهم يجدون صعوبة كبيرة في تحقيق هذا أو الاستمرار عليه. 
وإذا ما أراد الإنسان تغيير عادة أو سلوك ما لكونه سلوكا سلبيا أو ضارا، فمن المفيد أن نعرف أن العقبة الأكبر أمام نجاح هذا الإنسان في تغيير سلوكه هذا إنما هو الإنسان نفسه، وليست البيئة الخارجية، فالعوامل الداخلية هي الأساس! وكما يقول الله تعالى "إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم" (الرعد 11)

مفهوم "الممنوع" وتغيير السلوك:
نحن نعلم أن الإنسان تتنازعه عادة قوتان متصارعتان، بين الإقدام والإحجام، وبين الفعل أو عدمه. فالإنسان يحتاج للحفاظ على سلامته لكلا هاتين القوتين، ففي بعض المواطن يفيده الفعل والإقدام، وأحيانا أخرى يفيده الامتناع والإحجام. وهو دوما في حاجة "تدريب" كلا هاتين القوتين في داخله لأنه في حاجة لهما معا، وفي حاجة للتوازن بينهما.
وقوة الإقدام قوية متأصلة بطبيعتها عند غالبية الناس، بل الإنسان مجبولٌ عليها من الرغبة والتمني والطمع والأخذ والاستعجال... "خُلقَ الإنسانُ من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون" (الأنبياء 37)، أو قول الرسول الكريم " لو كان لابن آدم واديانِ من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملَأُ جوف ابنِ آدم إِلا الترابُ، ويتوبُ اللَهُ على مَن تَابَ" (مسلم)
ولكن الصعوبة التي تحتاج لتدريب وانتباه هي قوة المنع والإمسلك. ولكي يستطيع آدم عليه السلام العيش في الأرض وإعمارها كما أمره الله تعالى فإنه احتاج وزوجته حواء للتدريب العملي على تنميّة هذه القدرة عن الامتناع وضبط النفس، حيث أباح الله تعالى لهما الأكل من كل أشجار الجنة "وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رَغداً حيثُ شِئتما..." ولكن وضع لهما ما يدربهما عن الامتناع فقال لهما "... ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين" (البقرة 35) 
إن المجتمعات لا يستقيم أمرها دون مفهوم "المحرم" و"الممنوع"، وإلا لفسدت هذه المجتمعات، ولعمّت الفوضى في جوانبها المختلفة.
والله تعالى قد وضع في جهازنا العصبيّ من خلال مراكز دماغية محددة، ونواقل عصبية معيّنة (neurotransmitters) القدرة على منع النفس من الإقدام، وعلى ضبط النفس عن الفعل، وهذا ما يفسّر الظاهرة النفسية المعروفة وهي الإقدام أو الإحجام (fight/flight).
إلا أن الإنسان في حاجة دوما لامتلاك القدرة على الامتناع وعدم الإقدام على عمل ما، بل إن الكثير من مآسي الأفراد والمجتمعات إنما هي في فقدان أو ضعف هذه القوة من ضبط النفس وإمساكها عما لا يريد الإنسان فعله، حيث نجد الجشع والسرقة والاحتيال وإتيان المعاصي والمحرمات... والانسياق وراء المغريات والمثيرات، وكأن الإنسان ليس لديه مكبح يلجم النفس ويمسكها ويمنعها، والله تعالى امتدح الإنسان الذي يملك زمام نفسه، ووعده بالجنة لهذه الخصلة فقال تعالى "وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى" (النازعات 40-41)  
ورمضان شهر عظيم في تدريب هذا الجانب الهام من القدرة على منع النفس وضبطها، والذي هو ربما الجانب الأضعف عند الإنسان، وهو جانب الامتناع والإحجام وعدم الرغبة وتراجع الطمع، فالمسلم الصائم يقوّي عنده هذه القدرة النفسية طوال هذا الشهر الفضيل، حيث يمنع نفسه وطوال ساعات النهار عن المفطرات المادية والمعنوية، بالرغم من إغرائها، وبالرغم من ميل النفس إليها، فنجده طوال نهاره يذكـّر نفسه بأنه صائم، فهنا، وطوال شهر رمضان، تنتصر الروح على الغريزة، والنفس على الجسد، والمعنوي على المادي، والإنساني على الحيواني، وبالتالي يكون الإنسان الكامل. فالإنسان الكامل في الإسلام ليس الذي يكبت غريزته بالكلية، فهذا غير ممكن، وليس هذا من طبيعة الإنسان والأشياء، وإنما هو الذي يُمسك نفسه عندما يتوجب عليه إمساكها، ويطلقها عندما يكون هذا هو المطلوب.
ومن هنا نهتم نحن التربويون وأطباء النفس بهذا الشهر الكريم لأنه فرصة طبيعة مناسبة يمارس فيها الإنسان، وكل المجتمع الصائم، هذا التدريب اليومي ولشهر كامل، على تنمية القدرة على قول "لا" وبالتالي زيادة احتمال النجاح في تغيير العادات وأنماط الحياة التي قد نكون اكتسبناها خلال العام. 

هل يسهل تغيير السلوك، وما هي مراحله؟ 
بالطبع لا، ولكن لنذكر بأن هناك الكثير من الناس ممن ينجح في تغيير سلوكه عن طريق تغيير عاداته، وبشكل يومي، فكم من الناس من:
- يتوقف عن التدخين
- عن الشراء الذي لا مبرر له
- يتبع نظام تغذية صحي
- يواظب على صلاته
- يبدأ بممارسة الرياضة
- يسدد ديونه
- يتوقف عن بعض السلوكيات المحرمة
- يعتاد الاستيقاظ المبكر، بعد تنظيم نومه

مراحل تغيير السلوك الإنساني:
إن تغيير السلوك المتأصل لا يحصل بين يوم وليلة، وإنما لابد له من الوقت والصبر معا. وفي الطب النفسي نتحدث عادة أن أي تغيير في السلوك أو العادات يمكن أن يمرّ بخمس مراحل، وهي:
1. مرحلة ما قبل التفكير في التغيير (Precontemplation) حيث الإنسان لم يفكر بعد في تغيير سلوكه، أو غير راغب أو غير قادر على هذا التغيير، بل قد لا يدرك أن لديه مشكلة أصلا.

2. مرحلة التفكير في التغيير ( (Contemplationفالإنسان هنا مدرك باحتمال وجود المشكلة، ومهتم باحتمالية التغيير، غير أنه متردد وغير متأكد بما هو مطلوب عمله.

3. مرحلة التحضير للتغيير ((Preparation فالإنسان اقتنع بوجود المشكلة أو العادة التي تحتاج للتغيير، وملتزم بالتخطيط لهذا التغيير في المستقبل القريب، ولكن لا يزال يفكر في كيفية فعل ذلك، أو في وقت التنفيذ، وهنا قد يسوّف ويؤجل.

4. مرحلة التنفيذ ((Action فالفرد قد اقتنع وبدأ في اتخاذ خطوات فعلية للتغيير، إلا أنه لم يصل بعد إلى مرحلة الاستمرار الكامل في التغيير.

5. مرحلة الاستمرار والمحافظة على التغيير ((Maintenance فهو هنا قد تمكن من تحقيق الأهداف الأولية للسلوك المطلوب، ويعمل على الاستمرار والمحافظة على هذا السلوك.
 
وكيف يمكن أن أغيّر سلوكي؟
إذا أردتَ تغيير سلوك أو عادة ما، وخاصة في زمن الحجر الصحي أو المنزلي، فإن مما يعينك على تحقيق هذا الأمور التالية:
1- اعرف نفسك:
اعرف نقاط قوتك ونقاط ضعفك، واستفد من هذه المعرفة معززا الأولى ومتحررا من الثانية. 
اعرف ما الذي يحفزك للتغيير، وابنِ عليه.
زدّ من ثقتك في نفسك، فهذا مما يحسن فرص نجاحك.
احرص على ما ينفعك، وما ينفع غيرك ليس بالضرورة يناسبك.
تعرّف على العقبات والتحديات الممكنة. 

2- غيّر في أفكارك أولاً:
لتنجح في القيام بالتغيير الفعلي عليك أولا أن تحدث هذا التغيير في عقلك قبل واقعك.
تجنّب ما يذكرك أو يُعيدك للسلوك القديم الذي تريد تغييره، من أشخاص أو أماكن أو أفعال.
أوجد بدائل سلوكية إيجابية بدلا عن السلوك الذي تريد تغييره، ومارس هذا السلوك الجديد ليصبح لديك عادة.

3- كنّ إيجابياً:
ركزّ على الإيجابيات، ولا تستهلك نفسك بالتفكير في السلبيات.
اذكر الإيجابيات والنجاحات في حياتك، واشكر الله تعالى عليها.
أوجد شبكة علاقات اجتماعية داعمة ومؤيدة للسلوك الجديد الصحيّ، مثلا غير المدخنين.
احتفل بالنجاحات وكافئ نفسك على السلوك الإيجابي المرغوب، فأنت تستحق هذا.

4- "إن لنفسك عليك حق"
كثيرا ما نقوم بالسلوكيات السلبية للتخفيف من قلقنا وتوترنا، فحاول تخفيف هذا القلق والتوتر عبر رعاية ذاتك بالأنشطة الصحيّة. 
التعب والنعاس والجوع والملل... قد تدفعنا للسلوك السلبي، فاحرص على نمط الحياة الصحيّ. 
تذكر أن مما يساعدك على تغيير السلوك رعاية ذاتك، وشعورك بكفاءتك وإمكاناتك.
احرص على الاسترخاء وأخذ القسط المناسب من الراحة والتأمل والتفكر والصلاة والدعاء. 
بالرغم من عزمك على التغيير، اقبل نفسك وقدّر ذاتك، فهي التي ستقوم بالتغيير المطلوب.

5- الصبر والمثابرة:
يحتاج التغيير للوقت والصبر، فأعطه الوقت والصبر اللازمين، ولابد من المثابرة.
التغيير السريع يزول سريعا، فاحرص على التغيير المتدرج، ولو بكميّة قليلة، "أحب الأعمال إلى الله أدومها، وإن قلّ" كما في الحديث النبوي.
لا شك أن التغيير مؤلم أحياناً، ولكن مع الوقت يخفّ هذا الألم، وتقوى الإرادة تدريجيا.

ومما يساعد على تغيير السلوك/ العادات الأمور التالية:
1- اكتب السلوك أو العادة التي تريد تغييرها.
2- تعرّف على المنبه أو المثير لهذا السلوك الذي تريد تغييره.
3- انتبه لضرورة القيام بالسلوك الجديد الذي تريد القيام به، ومن ثم قمّ به.
4- غيّر سلوكا أو عادة واحدة في نفس الوقت.
5- ابدأ بالأمور الصغيرة، ومن ثم توسّع.
6- انتبه للدافع الذي يدفعك للتغيير، لماذا تريد أن تغيّر؟ واجعله دافعا قويا متعلقا بك لا بغيرك.
7- من سيساعدك في هذا التغيير؟
8- من الأشخاص الذين يشاركونك في سلوكك القديم، وبالتالي لا يساعدوك على التغيير المطلوب؟ فقد تحتاج لتغيير علاقاتك من أجل تغيير سلوكك.
9- استعن بالآخرين.
10- كيف يمكن أن تكافئ نفسك على التغيير.
11- ما هي صورتك القديمة؟ وما هي صورتك الجديدة مع السلوك الجديد؟
12- انتبه أنه إن كان عندك سلوك سلبي، فالسلبي هو هذا السلوك ولست أنت.

كم المدة التي نحتاجها لتغيير السلوك؟    
يقال علميا بأن تغيير السلوك يحتاج بين 20-30 يوم (ولعل في هذا حكمة صيام شهر رمضان).
وفي رمضان شهر الخير والبركة فإننا نقوم بمثل هذا التغيير، متطلعين إلى تلك الدرجة الرفيعة في امتلاك النفس وصولاً بها إلى درجة "التقوى" التي طلبها الله تعالى منا، مما يصب في ضبط النفس.
"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلك تتقون" (البقرة 183).
تقبل الله الصيام، وأعاننا على ضبط النفس، وتغيير السلوك والعادات.

ففي وقت جائحة الكورونا، وفي وقت الحجر الصحي، يأتي رمضان خير معين لتقوية مناعتنا النفسية والجسدية، لنتجاوز هذه المرحلة الحرجة بأمن وسلام.

يقول جلال الدين الرومي في كتابه "المثنوي" مشيرا لصعوبة تغيير السلوك الإنساني:  
”كسرُ الصّنم أمرٌ يسيرٌ بالغ اليُسر،
وأما استسهالُ السيطرةِ على النفسِ، فجهلٌ وأيُّ جهل!“ (المثنوي، ج 1 ص 146)


د. مأمون مبيّض
استشاري الطبّ النفسي، مدير إدارة العلاج والتأهيل 
مركز دعم الصحة السلوكيّة

اقرأ ايضا