الجمعة 11 رمضان / 23 أبريل 2021
 / 
04:15 م بتوقيت الدوحة

ما بين بغداد ودمشق.. كثير من الدم

إياد الدليمي
لم تكن العلاقة بين بغداد ودمشق على ما يرام طيلة سنوات تلت انقلابي البعث في كلا البلدين، بل إنهما دخلا في سجال وقطيعة، رغم أن البعث واحد في كلتا العاصمتين، ورغم أن الكثير من قادة بعث العراق هم بالأصل من سوريا وعلى رأسهم منظره الأبرز ميشيل عفلق، بل ربما سارت العلاقات إلى أسوأ مراحلها عندما اصطف حافظ الأسد مع إيران في حربها على العراق «1980-1988» قبل أن تبدأ الحرارة تعود للخط بين العاصمتين أثناء عقب وفاة الأسد الأب وتولي الابن مكانه. ومع أن حكام بغداد الجدد عقب الاحتلال الأميركي، كانوا حلفاء طهران، حليفة آل الأسد الأبرز والأكثر أهمية على مر عقود أربعة، فإن الحرارة التي عادت لخطوط الاتصال بين العاصمتين ما لبثت أن بدأت تتلاشى بعد الاتهامات التي ساقتها حكومة بغداد لدمشق بوقوفها وراء تفجيرات استهدفت بغداد، ناهيك عن اتهامات لسوريا بأنها تسهل حركة المقاتلين العرب إلى بغداد. وطبعا تغيرت الحال، كما يعلم الجميع، عندما ثار الشعب السوري على نظامه القمعي، فكان أن وجد هذا النظام نصيرا آخر غير إيران، تمثل في حكومة نوري المالكي التي قيل إنها قدمت مساعدات مالية ضخمة لنظام الأسد ونفطاً وحتى ميلشيات، أما لماذا هذا التحول، فأعتقد أنه أبلغ رد لكل من يشكك بطائفية حكومة بغداد ودمشق. ما جرى في بغداد في خميسها الدامي وما أعقبه في اليوم التالي من تفجيرات بسيارات مفخخة استهدفتا مواقع أمنية في العاصمة دمشق، تلفت الانتباه. من تابع الإعلام الرسمي السوري، وتابع قبله الإعلام الرسمي العراقي عقب كل عملية تفجير، يجد أن هناك قواسم مشتركة في كلا الخطابين، حتى يخيل إليك أن من يكتب بيانات الإعلاميين الرسميين في دمشق وبغداد واحد. عادة، وعقب كل انفجار يهز العاصمة بغداد، سرعان ما تبدأ التصريحات الصادرة عن قادة الأمن تتوالى عبر الإعلام الرسمي، حتى إن المواطن العراقي حفظها عن ظهر قلب، فالتفجيرات انتحارية بسيارات مفخخة، استهدفت إيقاع أكبر عدد من الضحايا بين المدنيين، المدان في كل مرة هو القاعدة والبعث، إلقاء القبض على عدد من المتهمين والمتورطين، الوضع الأمني تحت السيطرة، رغم كل الدم والهول الذي تسببه تلك التفجيرات، اتهامات لبعض الأطراف الخارجية بالتورط في بعض تلك العمليات من خلال تقديم الدعم لمجاميع القاعدة والبعث. تلك هي سيمفونية التصريحات التي تصدر من قادة بغداد وساستها عقب كل تفجير، طبعا الحال هنا تغيرت أيضاً عقب تفجيرات الخميس الدامي، فلم يعد الأمر يتعلق بالقاعدة والبعث وحسب، وإنما أضيف إليها أيضا، بعض الساسة ممن يحاولون عرقلة العملية السياسية، واختفى أيضاً اتهام دول الجوار وتحديدا سوريا، علما أن هناك نائبة عراقية تخطئ حتى في كتابة اسمها، قالت إن الإرهاب الوهابي يقف وراء تلك التفجيرات، في إشارة ضمنيه إلى السعودية. أما في سوريا، وعقب تفجيرات دمشق المريبة، وضع عشرات الخطوط الحمراء تحت كلمة المريبة، فإن الإعلام الرسمي كان ينقل عن مصدر أمني عبارات من قبيل، سيارات مفخخة استهدفت المقار الأمنية، القصد من التفجيرات إيقاع أكبر عدد من الضحايا في صفوف المدنيين، القاعدة تقف وراء التفجير، إلقاء القبض على أحد المتورطين. والسؤال الأكثر إلحاحا هنا، كيف تسنى للقاعدة أن تتفرعن في سوريا بهذا الشكل الذي يمكنها من تنفيذ عمليات تفجيرية في اثنين من أكثر المراكز الأمنية تحصينا في سوريا؟ وأكيد أن ذات السؤال يطرح في حالة شقيقتها بغداد، كيف تسنى لهذا العدد من التفجيرات أن تضرب العاصمة بغداد في وقت واحد ودون فارق زمني إلا الشيء القليل؟ وأين وعود المالكي بقدرة قواته على حماية أرواح العراقيين عقب الانسحاب، وأين هي المليارات التي أنفقتها حكومته لتجهيز قواته الأمنية؟ في كلتا الحالتين، إذا ما صدقنا جدلا، أن من فجر في بغداد ودمشق هو تنظيم القاعدة، فعلى حكومة المالكي وبشار الرحيل، لأنهما ببساطة غير جديرتين بتولي مسؤولية حماية أرواح الناس. الأكيد أن حجم التشابه بين تفجيرات بغداد ودمشق لا يتعلق فقط بما بعد وطريقة إدارة الأزمة من قبل كلتا الحكومتين، وإنما أيضاً بطريقة التنفيذ، والتي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الفاعل واحد، فما بين تفجير وآخر في بغداد لم يكن هناك سوى فواصل زمنية أقصاها الثلاثون دقيقة، بينما في تفجيرات دمشق كانت التزامنية أيضاً موجودة وبذات الطريقة التي طالما كانت تعيشها بغداد طيلة سنوات ماضية. أقول، لمن لا يعلم، هناك فرع لتنظيم القاعدة يسمى الفرع السوري، تديره وتشرف عليه المخابرات السورية، هل سمع به أحدكم من قبل؟ وحدة الدم كانت وستبقى تجمع دمشق بأختها بغداد، كما أن وحدة مصير كانت وما تزال وستبقى تحدد هوية مستقبل البلدين والشعبين، بعيدا عن مصالح الأنظمة التي حكمت أو التي ما زالت تحكم، تلك حقائق التاريخ والدين والجغرافية، شاء من شاء وأبى من أبى.