السبت 13 ربيع الثاني / 28 نوفمبر 2020
 / 
10:43 م بتوقيت الدوحة

بين تعليمين (2) "الهوية المخترقة"

بثينة عبد الله آل عبد الغني

يتصدر مجال التعليم أجندة أولويات القيادة في دولة قطر، وهو بلا شك الأكثر تركيزاً واستهدافاً لتبني أحدث السياسات، والخطط، الكفيلة بتأهيل مخرجات تعليمية متميزة تلبي احتياجات سوق العمل، واقتصاد المعرفة.
في هذا النطاق الأهم من مجالات التنمية البشرية حين تثار إشكالية "الهوية" في أي مجتمع إنساني، تصبح تلك أُم القضايا التي يتوقف الباحثون حيالها كثيراً. فهي في تصور المختصين والمهتمين قضية لا يمكن أن تتبرأ منها أي قوى اجتماعية، لا سيما أنها تطرح نفسها بإلحاح على المجتمع المحلي والعربي المعاصر، وتشتبك في حدودها مع كثير من قضاياه الاجتماعية، والفكرية، والتعليمية.
ولما كان التعليم -مضامين ومناهج- يتأثر بنظرة المجتمع إلى نفسه، وبالأهداف التي يرسمها لمسيرته، فقد أصبحت قضية "الهوية" لا تنفك عن التعليم ومشكلاته والتحديات التي يواجِهها.
وكلنا يدرك مدى الارتباط الوثيق بين تعزيز "الهوية "، وبين ما آل إليه وضع اللغة العربية من تقهقر وتضاؤل استخداماتها، وتصدر اللغات الأجنبية عليها، ومصادرة حق الإنسان أن يتعلم بلغته الأم، وتقليل دور المعلم العربي أمام الطالب، مما شكل عوائق فكرية ومعرفية، واختراقاً جذرياً لهويته العربية الإسلامية، حيث أسهم ذلك في منعه من التفاعل في العملية التعليمية بحكم حاجز اللغة، والأكثر من ذلك أصبح سوق العمل هو الموجه الرئيس للسياسات التعليمية، مما أثر على إلغاء كثير من التخصصات العلمية المهمة في الدراسات الجامعية، وتقليص محتواها في المراحل المبكرة من التعليم.
وفي هذا الإطار، يتضح لنا عن قرب أن هاجس الهوية العربية بدأ يتيقظ حسه لدى صناع تلك الهوية من أبناء الوطن العربي، حين بدأت تطفو آثار ضياعها على السطح، والتي منها تراجع تعليم اللغة العربية، وضعف اللسان العربي، وكثرة اللحون، وسطوة العامية، وظهور سلوكيات تتعارض مع طبيعة مجتمعاتنا، بل وتتناقض مع ثوابت القيم الثقافية والحضارية للمجتمع خاصة، وللأمة عامة، في ظل غياب القدوات.
ومن مآلات دخول هذا العصر عصر التكنولوجيا نواجه في مجتمعنا القطري تحديات جساماً تحتم علينا كمربين تحديث آليات مواكبة ومواجهة أشكال التطور المتلون بالغث والسمين، خاصة إذا أدركنا ما تفعله التكنولوجيا الحديثة المرتبطة بأنماط الواقع الافتراضي للتعليم بـ "هوية" الإنسان من تأثير واضح في تشكيلها إيجاباً أو سلباً على نحو تعكسه المواقف والأحداث في المجتمع.
من هنا تأتي ضرورة أن يستبق هذين النمطين من التعليم التقليدي والافتراضي، ضرورة إدخال جرعات إبداعية في المنظومة التعليمية، تركّز على الاندماج، والتأكيد على قضايا الهوية الوطنية والدينية، من خلال معالجة المناهج التعليمية التي تعزز قيم الهوية، وتبني برامج وطنية فعّالة تدعم توجهها وثباتها.
ختاماً دعونا نقول إن اهتزاز الهوية أو تعرّضها لأزمة لا يعني سقوطها بقدر ما يدفعنا هذا التحدي إلى استدعاء عناصر العودة والقوة في الموروث الثقافي والحضاري لهذه الأمة بإعادة حالة الوعي المجتمعي إلى حاملي الرسالة، وتضمين تلك الرسالة سؤالاً للمسؤولين: كيف لنا أن نتحكّم في عمليات اختراق "الهوية" في سياساتنا التعليمية؟!!

اقرأ ايضا