الثلاثاء 16 ربيع الثاني / 01 ديسمبر 2020
 / 
05:25 ص بتوقيت الدوحة

حلب الشهباء.. بين رحلات أبي وتتار العصر

د. أحمد موفق زيدان
ثلث قرن تفصل بين زياراتي مع أبي إلى حلب الشهباء، وبين زيارتي لها بعد أن جاست فيها آلة القتل والقمع والدمار والخراب الطائفية والاحتلالية، لم تصدق عيناي وأنا ألاحق عمارات باب الحديد وباب النصر والقلعة القديمة وغيرها من الأحياء، التي حفرت قصصها وحكاياتها في تلافيف ذاكرتي التي لن تُنسى، أنني أعود للشهباء بعد هذه الفترة الطويلة من الزمن، تذكرت وقدماي تطرق حجارتها القديمة المعتقة بالتاريخ والحضارة والقدم، تذكرت أبي وهو يسعى إلى جري بعيداً عن ألعاب وثياب وأحذية جديدة معروضة، كنت أستوقفه لشرائها، فكعادة الطفل يريد أن يشتري كل شيء ومن أول وهلة، بينما نصيحة الأب حينها كانت: ادخل السوق متفرجا واخرج منه مشتريا.
كان صاحبي الذي يرافقني في تغطيتي يومها لقناة الجزيرة كأول صحافي يدخل الشهباء عام 2012، يسعى إلى تذكيري كل خمس دقائق أكثر أو أقل أن أسرع، فكأنما خِلت أن أبي بجانبي وأحاول أن أستبقيه لشراء حاجياتي وأشيائي، لكن صحوت لحظتها من حلم جميل أعادني لطفولتي.
يخرج الشاب من بلده مهاجراً، فيعود إليها بعد سنوات وعقود ليعيش حالة من التناقض هل يتعامل مع الآخر كيوم خروجه، أو كيوم عودته، وهل الطرف الآخر سيتعامل معه على أساس أنه ابن العشرين من عمره يوم هجرته، أم ابن الخمسين من عمره يوم عودته، وهم الذين يجهلون تطورات وتغيرات طرأت عليه وعلى حياته.
يومها المشهد الوحيد الذي يتراءى أمامك الخراب والدمار، رائحة الموت القاسم المشترك بين كل الأحياء، والبراميل المتفجرة تفتك بأجساد الحلبيين، وكأن الابن الحاكم بشار لم يشف غليله ما فتك به والده حافظ أسد بأجساد الحلبيين في الثمانيينات، فعبث بالحمض النووي للمدينة، يوم فرض عليها نخباً صناعية وثقافية وعلمائية ومنهم المفتي أحمد حسون الذي أطلق عليه الثوار مفتي البراميل المتفجرة.
ما أجمل أن تعود إلى الديار بعد فترة طويلة، والأجمل أن تعود عزيزاً غصباً عمن طردك، وتراه ذليلاً لا يقوى على الوقوف أو زيارة الأماكن التي طردك منها، أمشي في الصاخور وأستمع لأناشيد المنشد أبي الجود وأبي دجانة المعروفين لجيل الثمانينيات، وأتلفت حولي لأرى سيارات عسكرية للثوار وعليها عبارات الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين، ماذا لو بُعث حافظ أسد من قبره وعاد حسني عابو وموفق سيرجيه وإبراهيم اليوسف ثوار الثمانينيات من جديد وهم يرون تلك المشاهد التي لم يتخيلها الأسد في أسوء كوابيسه، كما لم يتخيلها عابو وسيرجيه واليوسف في أفضل مناماتهم.
تذكرت يومها زميلة مذيعة سابقة في الجزيرة التحقت بالنظام السوري وأصبحت من حوارييه، حين سألتني في ساحة من ساحات الجزيرة قبل الثورة السورية بثلاثة أعوام بطريقة لا تخلو من اللؤم، كم مضى على خروجك من سوريا؟ فقلت لها حوالي 27 عاماً، فقالت لن تدخلها أبداً، ويعلم الله يومها ويومها فقط تيقنت أنني سأدخلها غصباً عنها، لأن الكبرياء والغرور من صفة الألوهية، سكت يومها، لكن حين ظهرت على شاشة الجزيرة بعدها بسنوات في إدلب وحلب ودمشق كان أبلغ جواب ورد لي، فهل تجرؤ هي ورئيسها اليوم على زيارة أماكن زرتها.
اليوم وبعد أربع سنوات، يدخل تتار ومغول العصر بقيادة فلاديمير بوتن يجوسون خلال الديار، وفاءً لإرثهم وميراثهم الدموي التخريبي الإجرامي، التي تحكيه مجلدات ما فعلوه في مناطق المسلمين بآسيا الوسطى إن كان أيام القياصرة أو البلاشفة، وكذلك قصصهم في هنجاريا وأفغانستان وجروزني، لكن ما فعلوه في الشام أملاً في استعادة كرامة مهدورة، على سفوح أفغانستان وغيرها، لن يعيدها لهم هذا الإجرام، ولن يجنون من خلاله إلا مزيداً العزلة والانهيار الأخلاقي، قبل الانهيار المادي لإمبراطورية مفتتة متشظية يسعون عبثاً لاستعادتها.
وستبقى حلب متحدية تتار ومغول وفرس وروم من سبقوا، وماذا تفعل الشهباء وغيرها إن كانت ذاكرة المحتل ذاكرة سمكة، فيكفي الشهباء وشقيقاتها في الشام أن في صفهم محاربان هما الأكثر قوة وصلابة: الصبر والوقت، وهما ما يفتقر إليهما الاحتلال وأذنابه.